بين وقت وآخر، تنشر الصحف العربية إحصاءات وبيانات حول الأوضاع الصحية في الوطن العربي، وغالباً ما تكون هذه الإحصاءات سلبية، أو غير مطمئنة، كإحصائيات الإصابة بأمراض القلب والضغط والسكر، والاكتئاب والسرطان و..إلخ، مع ذلك فالوضع الطبي عندنا لا يسر، والاهتمام بالصحة الفردية والعامة ليس كما يجب، وحتى الإعلام فإنه لا يمنح الصحة تلك الأولوية.
وذلك الاهتمام المفترض على خرائطه البرامجية، طوال العام، فعلى كل شاشة عربية هناك برنامج طبي أو صحي واحد فقط معد بشكل غير احترافي ولا يجتذب المشاهدين عادة، لأنه لا يلبي احتياجاتهم الحقيقية، بينما تحظى هذه النوعية من البرامج باهتمام، ومساحة كبيرة في دول الغرب.
إلى جانب الناحية الصحية، فإن الاهتمام براحة الإنسان واحتياجاته الإنسانية وتلبيتها وعدم القفز عليها ليس من أولويات مؤسسات العمل عندنا في العالم العربي، وقد حكى لي أحد المهندسين بأن اصدقاءه المشتغلين في نفس المجال يتقاضون أجوراً أعلى، ويمنحون إجازات أكثر، ويحظون بترفيه وبرامج اجتماعية مثالية في الشركات التي يعملون فيها لأنها شركات أجنبية، بينما هو وزملاؤه لا يتحصلون على نصف تلك الامتيازات لأن صاحب الشركة العربية يريد إنتاجاً طوال اليوم وليس مهماً ما يشعر به الموظف لديه!.
أرباب العمل، وأصحاب الشركات الكبرى، يتعاملون مع الموظفين والعمال على أنهم تروس في آلة ضخمة مهمتهم الدوران فيها لتحقيق الهدف الأسمى وهو العمل الكثير من أجل المال الوفير، وهنا ليس مسموحاً التفكير بحقوق ومطالبات وترفيه وبرامج وإجازات خارج الحدود المرسومة، وللأسف فالحدود المرسومة لا تحقق الرضا الوظيفي عند الموظف أبداً، إنها مرسومة لتحقق رضا صاحب العمل لا أكثر ولا أقل! وهنا تتعالى الأصوات من داخل المؤسسة وتكثر الشكاوى وتتزايد الانسحابات إلى الخارج بحثاً عن بيئات عمل أكثر إنسانية ورحمة واعترافا بحقوق الإنسان!
إن صحة الإنسان الجسدية والنفسية هي ركيزة قدرته العامة على الإنتاج ورغبته في الابتكار والإبداع، وإحساسه بالانتماء للمؤسسة، وبدون الاهتمام بتلك الصحة، من خلال برامج الضمان الصحي الكامل والجيد، وبرامج الترفيه الاجتماعي وساعات العمل المعقولة، وأيام الإجازات الضرورية والتعويضات المناسبة عن أي خطأ أو تجاوز أو تعد بدون هذا الخط المكمل والمتلازم مع سير العمل الجاد والمرهق والملتزم، لا يمكن الحديث عن بيئة عمل مناسبة وصحية!.
يقول أحد العاملين في القطاع الخاص، إنه يحصل على أقل معدل للإجازات في الدولة، بينما يحظى موظفو القطاع الخاص في الشركات الأجنبية تحديداً بمعدل إجازات عال، يضاهي إجازات القطاع العام ولا يطلب منهم أي عمل إضافي خارج ساعات الدوام إلا بموافقتهم وبعد دفع أجور إضافية، وأمور أخرى كثيرة، تدل على مدى الاحترام الكبير الذي يحظون به على الصعيد الإنساني في شركاتهم.
بينما لا يحظى العاملون في الشركات العربية بهذا التعامل، الأهم أن الموظفين في تلك الشركات الأجنبية يتمسكون بحقوقهم حتى آخر رمق ويطالبون بها ولا يسمحون لأحد بتجاوزها، بينما يسكت زميلهم في الشركات العربية ويغض الطرف خوفاً من التفنيش أو أن يجد نفسه خارج المؤسسة إذا اعترض أو طالب. الشركات صورة طبق الأصل لطريق التعاطي مع المواطن وحقوقه، ضمن الأنظمة السياسية في العالم.
