كيف يناضل من أجل الديمقراطية من يضع يده على يد من أطاح بالنظام الديمقراطي؟

أنا لا أصدق أن الزعيمة الباكستانية بنظير بوتو عادت إلى البلاد بعد ثماني سنوات من المنفى الاختياري من أجل أن تشعل معركة سياسية حاسمة لاستعادة النظام الديمقراطي بمؤسساته وحرياته ودستوره، فهي قد هرعت إلى العودة بموجب ترتيب متفق عليه سلفاً بينها وبين الحاكم العسكري الجنرال برويز مشرف يتضمن صفقة سياسية من عنصرين: أن تعترف بأن لنظام مشرف شرعية بمشاركتها معه في السلطة كزعيمة لأحد الحزبين الكبيرين في البلاد مما يؤدي إلي إطالة عمر النظام.. وفي المقابل يصدر الجنرال أمراً بإلغاء اتهامات موجهة إليها بشأن فساد يزعم أنها مارسته عندما كانت رئيسة للوزراء خلال عقد التسعينات.

في الخطاب المطول الذي ألقته في كراتشي عقب محاولة الاغتيال التي تعرضت لها فور وصولها يوم الخميس أتت السيدة بوتو على ذكر عبارة «الديمقراطية» ومرادفاتها عشرات المرات بما يفيد أنها البطل القومي الذي جاء لإنقاذ الشعب الباكستاني من حكم الاستبداد العسكري.

لكن الخطاب يناقض نفسه بنفسه، بالجزء الذي أطنبت فيه الحديث عن استعادة النظام الديمقراطي يلغيه الجزء الذي تتوعد فيه «الجماعات المتطرفة» بأنها عادت إلى البلاد من أجل «محاربة الإرهاب».

هكذا تتناغم لغة بوتو مع لغة مشرف. ولو كانت السيدة صادقة مع شعبها لقالت إنها قررت الدخول في تحالف مع الجنرال استجابة لرغبة الولايات المتحدة من ناحية واستجابة لرغبتها الذاتية في العودة إلى الحكم لاستئناف العمل من أجل مصالحها الحزبية.

لو كانت السيدة بوتو صادقة حقاً في دعواها بأنها تناضل من أجل استرداد الديمقراطية لكان على رأس أجندتها المعلنة العمل ضد من قام بتدمير الديمقراطية على مدى السنوات الثماني الأخيرة، ولكي تثبت لشعبها المزيد من المصداقية كان عليها ألا تطلب إسقاط اتهامات الفساد الموجهة إليها. وإذا كان من المفترض أنها بريئة من هذه الاتهامات فإنه كان من الأجدر بها أن تطالب بمحاكمة عادلة.

لقد قضت السيدة بوتو معظم سنوات المنفى الاختياري وهي ترفع شعار إسقاط الدكتاتورية في باكستان وتحت هذا الشعار دخلت في تحالف مع «حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية» ـ أحد الحزبين الكبيرين التقليديين ـ بقيادة نواز شريف. لكنها خلال السنتين الأخيرتين بدا أنها تخلت عن الشعار بعد أن فتحت حواراً سرياً مع الجنرال مشرف بناء على مبادرة من إدارة بوش.

من وجهة نظر واشنطن لا يوجد فارق جوهري في الرؤية السياسية بين الجنرال وزعيمة «حزب الشعب الباكستاني» ـ كلاهما موال للغرب وتحديداً لثوابت السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة جنوب آسيا في إطار «الحرب الأميركية على الإرهاب»، فلماذا لا يتحالفان ضد «التطرف» ليس في باكستان وحدها وإنما في أفغانستان أيضاً؟ هكذا تساءلت إدارة بوش، والتي كان سعيها لتحقيق صفقة بين الطرفين، لكن تحالف بوتو مع الجنرال جاء كصدمة لقوى سياسية عديدة في باكستان بما في ذلك شخصيات قيادية داخل حزبها.

لقد كان ظن هذه القوى أن السيدة بوتو ستقود جبهة وطنية عريضة من كافة التنظيمات المعارضة على طريق التوجه لاستعادة الديمقراطية والحريات وسيادة القانون، لكن الواضح الآن أن السيدة بوتو لا يهمها سوى المصالح الحزبية الضيقة.