لم أستغرب في الخطاب التاريخي لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل مملكة البحرين، بمناسبة انعقاد الدورة الثانية للمجلس الوطني، أن يطرح الكثير من الأفكار والآراء والتوصيات التي باتت تهم شعبنا وينتظرها أن ترى النور بسرعة، وتنفذ على ارض الواقع، بعد أن تلمس في السنوات السبع تجربة سياسية جديدة، شهدت الكثير من التقلبات والمواجهات والتجاذبات.
ومن بين تلك الأمور مسألة وجود، الصحافة المستنيرة، التي تهمنا بشكل أوسع، نحن معشر الكتاب والصحافيين والمثقفين، والمرتبطين بحرية الكلمة والتعبير والقول والكلام الحر، نحن الممتهنين لمهنة تطارد الفساد والاعوجاج، وتسلط ضوءها الكاشف بشفافية، على كل ما يدور في مجتمعنا من خفايا وقضايا، باتت خبزنا اليومي، وعلى الناس، أن يقفوا بالدرجة الأولى مع السلطة الرابعة (الصحافة) باعتبارها سندهم الحقيقي والدائم في الملمات.
ومتراسهم عند الضرورات وأسوأ اللحظات بعد أن خذلهم أغلبية النواب، فمجتمع بدون صحافة حرة مجتمع مصاب بالعجز والتخثر والأمراض والأورام الخبيثة، مجتمع بحاجة إلى معرفة معنى أن تكون الكلمة حرة وفي فضاء حر، كلمة تعرف بنفسها مساحة العقل والنقد والخطاب المسؤول، لهذا لا يجوز الحد من تطور كل تجربة برلمانية وصحافية وديمقراطية.
وأن يخافها النواب والمسؤولون في الوزارات الحكومية وشركات القطاع الخاص، ويرون في وجود الصحافة الحرة والمستنيرة عالما من الكوابيس، وكأنها شبح يلاحقهم في غرفهم في هجع الليل، طالما هم يشعرون أن أياديهم نظيفة وممارساتهم أنظف ومواقفهم أكثر نصاعة ونزاهة.
من يخافون الصحافة والصحافيين ويرغبون سجنهم، ليسوا إلا أولئك الجماعات بأصواتهم النشاز والمتشدد، الذين يرون في الديمقراطية استقصاء ونزوة شخصية، ومساحة انتهازية وخوفا من الحقيقة والواقع المكشوف، في يوم مشمس بالحياة. صحافتنا المستنيرة عقل وعين وضمير مجتمعنا الحي الذي يرى في المشروع الإصلاحي حلمه في التغيرات المستقبلية، وعلينا أن نتشبث بخيارنا التاريخي للديمقراطية، فمن داخلها يتم تعميق التجربة، وليس بالقفز من حولها وخارجها بطرق متطرفة ومغامرة تدعو للفوضى والقطيعة.
ما يشهده العالم النامي التواق للدمقرطة في الدول الفتية والنامية، حديثة التجربة في مجال الديمقراطية والحريات العامة، - ونحن جزء من ذلك الإرث العالمي الحر للصحافة ـ هو ذلك المشهد المتنامي للصحافة ودورها في مواجهة مراكز الفساد، وبعلو صوتها - الصحافة ـ في الدفاع عن المشاريع الإصلاحية والتنويرية والتحولات الحضارية الكبرى، كحرية التعبير وحقوق الإنسان والديمقراطية الوليدة،.
وهي تشق طريقها يوميا بين طرق وعرة، يحاول دعاة التكفير والظلام والطائفية والنزعات العرقية والفئوية وحتى المصطلحية في وطننا خنقه وإجهاضه بوسائل شتى، فقوى الخوف والاستفراد والإقصاء والظلام، ترى في الصحافة عدوها اللدود والقوة الراصدة والعين المفتوحة على مدار الساعة، فلا بد من ثقب تلك العين النابضة بالحقيقة.
وإيقاف مسيرتها ومتابعتها وعرقلتها عن مسيرة النهضة الإعلامية وتحولاتها، تلك القوة التي تستفز عقولا خفية وأفئدة معادية وأجهزة وقوى سيئة، لا تحب أن تفضح الصحافة عورتها، وتقدمها للرأي العام، كنموذج متفسخ أخلاقيا واجتماعيا وسياسيا، لهذا يسعى أولئك المولعون بأردية الظلام والتخفي والعبث بالمال العام، تمرير مشاريع الفساد وشراء الذمم والقيم، وإلى استخدام نواب هم من صنعهم الخفي، وأياديهم المتحركة في بيت الشعب المخطوف.
والذي استحال إلى قوة معادية لطموح وأحلام الناس في أهم القضايا ومفاصلها، وليس القضايا الشكلية هنا وهناك، في فصول مسرحية كتبت بنصوص معادية لجوهر الديمقراطية وطبيعتها وتنوعها وتعدديتها، كما نراها في جعجعة بعض النواب، الذين يرون في حبس الصحافي، مقصدهم المنشود وعدوهم اللدود، لكونه يضع إصبعه على الجرح، ويضع المتلاعبين كلاما ووعودا على خشبة المسرح المفتوح، فيتعرف الناس على الدمى المتحركة، كما هي مسرحيات مفتعلة.
لهذا تبدو أكثر فضيحة محاولة الإصرار على مادة حبس الصحافي في قانون الصحافة الجديد، بحججها المطاطية اللدنة ورعونتها لحرية مهنة مهمة في المجتمع، والتي لا تستقيم لقيم الديمقراطية الحقة،.
فمن يقولون لناخبيهم عن ضرورة توسيع تجربتنا الديمقراطية في مجالسهم الخاصة وجلساتهم الأكثر خصوصية، هم أنفسهم الذين من جانب آخر، يحاولون بقوة، التضييق على احد أهم مرتكزات الحرية في تجربة الديمقراطيات العالمية، فلا يوجد إطلاقا صحافة حرة مستنيرة إلا وهدفها غاية نبيلة، كمعالجة أمراض المجتمع وتشكيل بنيانه الصالح، وتثقيف الناس بروح المشاريع الإصلاحية والتنويرية والتحولات العميقة.
وتشييد جسور الحوارات الواعية المسؤولة بخطابها النقدي، للجميع ودون استثناء، انطلاقا من أسس دستورية ومواد الميثاق، وفضاء الحريات، التي هي مظلتنا جميعا. حان الوقت لبعض النواب أن يستجيبوا لروح العصر والانفتاح على التيارات المختلفة، وعلى نهج روح التسامح والحوار والقبول بالاختلاف كجزء من التنوع المجتمعي، وتأسيس صحافة خلاقة متحركة ومتجددة وحيوية تساهم في التطوير والتنمية والتفاعل لكل جوانب الحياة، لتصبح التجربة الديمقراطية أكثر تكاملا، فهي جزء لا يتجزأ من مشروع المجتمع المدني الحر.
واذا ما كان خطاب جلالة الملك يحاول التأكيد على أهمية أن يكون قانون الصحافة حرا ومستنيرا، فان الخطاب بمعنى واضح يعزز من سقالة أساسية يقف عليها بنيان الإصلاح والتطوير ألا وهو ضمانة الصحافة كجزء مكمل للمشروع الإصلاحي والديمقراطي، وتواصل مستمر لسلسلته المتينة، منذ انطلاقة الميثاق عام 2000 حتى يومنا هذا، بالرغم من نشوب معارك دستورية وسياسية ومعيشية، لم يبرهن فيها النواب، التكفيريون والطائفيون، على أنهم منحازون بقوة للحركة التنويرية والنهضوية للشعب والتي حددتها مواد الميثاق والدستور لمسيرتنا الراهنة والمستقبلية.
حيث كانت دائما هناك تقف العصا الظلامية، التي تعيق تقدم حركة التاريخ وحركتنا للأمام، لكونها تخاف من التغيير نحو الحداثة والعصرنة، وتخاف حرية المرأة ومساواتها الكاملة، مثلما تخاف من صوت الثقافة ووجهها وتأثيرها، باعتبارها المعبر القوي عن روح الإنسان وضميره في المجتمع.
كاتب بحريني