ظهرت الأمم المتحدة إلى حيز الوجود بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 في بيت طاعة مجلس الأمن الدولي وبقيت فيه حتى يومنا هذا. عزمت الدول المنتصرة في الحرب الكونية تلك على تشكيل عالم جديد في حينه يكون لها فيه الباع والذراع الطويلين. في الوقت الذي تضم الأمم المتحدة 192 من الدول الصغيرة والكبيرة في الحجم والعدد والكيانات المستقلة والتابعة بطريقة أو بأخرى يضم مجلس الأمن بشكل رئيسي الدول الأقوى والأشد تأثيراً في مسار السياسة الدولية.

بعبارة أخرى دولة عظمى واحدة أو اثنتين أو خمس على الأكثر تتمتع بقسط ساحق من التحكم بمصائر الآخرين. عددياً عالمياً بات سكان العالم تحت سيطرة أقل من 20% بشكل مباشر أو غير مباشر.

لم تؤخذ المساحة وتعداد سكان الشعوب والدول والأمم بعين الاعتبار في أهمية الدولة العضو في هذه المنظمة الدولية «الفريدة من نوعها». الهند مثلاً ذات التعداد السكاني الذي تجاوز المليار نسمة تُحسب في التصويت والتأثير الدولي في هيكلة الأمم المتحدة مثلها مثل سلطنة «بروناي» التي ـ أي الأخيرة ـ يتساوى عدد السكان فيها مع ضاحية متواضعة في مدينة هندية متوسطة الحجم.

عملياً وبشكل عام يماثل وضع العالم ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كثيراً وجود خمسة «حيتان» تسبح في حوض ماء وحولها «الأسماك الضعيفة» من مختلف القياسات والأحجام يقارب عددها المئتين. الميثاق العام أو العقد الاجتماعي السياسي الدولي للأمم المتحدة تمت صياغته ليتناسب مع مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية كما يبدو هكذا.

الدول الصناعية والقوية عسكرياً تحكم الأمم الأخرى الضعيفة أو المستضعفة وإلى إشعار آخر لا مانع أن يكون إلى الأبد! في هذا السياق باتت الأمم المتحدة وبسبب تركيبتها «الفوضوية» والعفوية المتخلفة، والتي من المفترض أن تمثل العالم بأكمله، باتت جسماً يتمتع بقصور ذاتي هائل مزمن من العبثية بمكان التفكير في التخلص منه.

جميع القضايا الدولية التي طرأت بعد إنشاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن استعصى حلها وأصبحت مزمنة بل وتزيد استفحالاً يوماً بعد يوم. المأساة الفلسطينية كانت في الواقع من نتائج تكوين العالم الجديد في حينه بتلك الهيكلية التي فيها تكون الأمم المتحدة مشلولة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

هنالك قضايا أخرى طرأت في العالم لم تستطع الأمم المتحدة تحريك ساكن حتى في ظل قطبين دوليين متحكمين بنفس القوة والدرجة والنهم تقريباً، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مثل المشكلة الكورية. تم تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى كيانين متناحرين حتى النفس الأخير ومستعدين لاستعمال أكثر أنواع الأسلحة فتكاً ودماراً لتخلص أحدهم من الآخر.

قضية كشمير لا تزال معقدة وتزيد في التعقيد بين دولتين تتسلحان نووياً استعداداً لإفناء بعضيهما إذا ما سنحت لهما فرصة لذلك. بقيت دول شبه القارة الهندية سهلة التحكم بها من قبل الدول العظمى ولم تستطع الأمم المتحدة حتى وضع يدها على أي حل يهدّئ أو يبطئ من تفاقم الأوضاع. هنالك العشرات من الحالات الأقل والأكثر استعصاءً وفي مواقع كثيرة عبر العالم من التي لم تتمكن الأمم المتحدة التدخل ولو بتواضع خجول.

حديثاً ذهبت الأمم المتحدة إلى أبعد من أن تكون مشلولة العمل أو على الحياد. أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها علناً تذهب إلى مسايرة سياسات الدول العظمى أو بالأحرى الدولة الأعظم حالياً.

في القضية العراقية لم تستطع الأمم المتحدة فعل أي شيء بالخير يذكر لوقف الغزو الأنجلو ـ أميركي للعراق ولا لتهذيب أعماله ووقف جرائمه بعد الاحتلال المشين.

منذ بداية الغزو حاولت الأمم المتحدة «شرعنة» الاحتلال بحجة مساعدة العراق حكومة منشأة وشعباً وإرساء ديمقراطية الاحتلال القادمة مع آلة الحرب الغازية المدمِّرة، وجعل الاحتلال أمراً مستساغاً عادياً يتم التعاطي معه كأمر واقع. حتى بعد اتساع نطاق الجرائم والفضائح الأنجلو ـ أميركية في العراق لم تنبس الأمم المتحدة ببنت شفة واكتفت بالبُحاث مما يجود به القانون العسكري الأميركي الذي يعتبر تصرفات وأعمال أفراد الجيش الأميركي غير قابلة للبت فيها من قبل القانون الدولي، المشلول أصلاً.

في قضية إقليم دارفور السوداني تتلاءم وتتلازم تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) ومندوبي المنظمة الدولية مع تصريحات وتطلعات وطموحات وأفكار ونزوات اللاعبين السياسيين الدوليين الكبار. المتتبع لخطوات هؤلاء المندوبين يجد أن نمطها لا يتخطى الصادر من دوائر صنع القرار في العواصم الغربية وخاصة واشنطن.

بعبارة أخرى تبدو خطوات المبعوثين الدوليين مكملة متناغمة أو جزءاً لا يتجزأ من سياسات التدخل الخارجية الغربية. لم يمكث الأمين العام للأمم المتحدة سوى يوم أو بعض يوم حين أعلن أن جسمه يقشعر لحالات الاغتصاب والاعتداء على الأعراض والممتلكات التي تمارسها قبائل «الجنجويد» العربية ضد قبائل السكان من ذوي الأصول الإفريقية.

يبدو أن السيد «بان كي مون» مدمن رؤية أفلام هوليوود التي بعد 11 سبتمبر 2001 لا تنفك تركز على تصوير العرب والمسلمين على أنهم مجرمون وقتلة ومغتصبو أعراض وعنصريون.

في قضية الملف النووي السلمي الإيراني الذي يعتبر إنجازاً علمياً وحضاريّاً، وخاصة لدول العالم الثالث النامية. تتخذ الأمم المتحدة موقفاً غاية في التبعية والنفاق والضعف والبعد عن قول ومناصرة الحقيقة.

يحل برنامج الطاقة النووية في إيران جزءاً مهماً من المشكلات الناجمة عن التقلبات الدولية في أسواق بيع البترول العالمية والتي فيها الشركات الغربية والأميركية تمثل المهيمن المسيطر وبطريقة احتكارية عدائية، خاصة للدول التي لا ترضى بالسير في ركب السياسة الأميركية. إيران دولة عضو في الأمم المتحدة وفي وكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.

وهي دولة موقعة على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. كل برامج إيران النووية تخضع للتفتيش والتحقق والمراقبة الدائمة ولا خطط لإيران لامتلاك أسلحة نووية قادرة على تكرار تجربة مدينتي «هيروشيما وناجازاكي» اليابانيتين الكارثية على الجنس البشري.

بالمقابل لا تخضع إسرائيل لأية مراقبة أو قانون أو اتفاقية تلزمها بأن لا تشكل خطراً على نفسها وجيرانها ومحيطها والعالم من حولها. تذهب الأمم المتحدة بطرقها اللطيفة «الوديعة والمفخخة!» لمساعدة الولايات المتحدة في سياستها التي لا تقف عند حد تخليص إيران من التقدم العلمي والتقني والنووي لديها.

بسبب تاريخها المتصف بالشلل والغموض المقيت والتبعية «النشطة» الأكثر مقتاً بات الحديث لدى شعوب الدول الضعيفة أو المستضعفة عن اللجوء إلى دور مشرّف وملائم لأعلى هيئة دولية يعد من باب التهريج والهزل المضحك المبكي. تدعو هذه المنهجية العامة وبتفاصيلها الدقيقة الدول والشعوب النامية والنائمة لأن تصحو وتسعى للحصول على حقوقها بيدها وجهود أبنائها، ذلك بدل الركون إلى جسم يتراوح في عمله بين الشلل والتبعية النشطة.

منذ ما لا يقل عن ربع قرن حاول الكثيرون من زعماء دول عدم الانحياز والعالم فك رقبة الأمم المتحدة من تحت نير الدول العظمى أو الأعظم المتسلطة، لكن كل تلك المحاولات ذهبت أدراج الرياح.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ظهرت إلى السطح بشكل ساطع الحقيقة المؤسفة لتلك المؤسسة «الدولية» اسماً والخاصة حقيقة. لكن لم يفت الأوان بعد على الدول والكيانات والشعوب والأمم الأخرى لاستبدال الأمم المتحدة أو لتعديل مسارها إلى درجة تتمتع بالحد الأدنى من القبول على الأقل.

جامعة الإمارات

nasrin@uaeu.ac.ae