لم تفلح العبارات الدبلوماسية المنمّقة ذات الصلة بالدرع الأميركي الواقي من الصواريخ المعادية بإخفاء الضجيج الذي ارتفع مؤخرا، والذي اكتسب هذه المرة بعض سمات مرحلة الحرب الباردة التي اعتقدنا ذات يوم أنها باتت جزءا من التاريخ لا حدثا آنيا قد يُسترجع في أية لحظة.
ولعل التراشق الدبلوماسي الذي نشهد فصوله كل يوم بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الفيدرالية من جهة، والدول الأخرى المعنية بشكل أو بآخر بذلك الدرع من جهة أخرى، يعكس ذروة الخلاف العميق القائم بين طرف يملك قدرة التأثير على مجريات الأحداث العالمية وآخر يحرص على استعادة مفهوم القطبين إلى العلاقات الدولية بالإضافة لتأثيره المفقود فيها منذ زمن.
هل إن ما نشهده هو بالفعل بدايات حرب باردة جديدة أم مجرد اختلاف في وجهات النظر سيحاول طرفاه الاستفادة منه قدر الإمكان لتحقيق المكاسب التي ستصب في إطار مصالحهما القومية؟ وهل إن حالة الفرز التي نشهدها في الوقت الحاضر تعكس وضعا جيو ـ سياسيا جديدا يجري الإعداد له وقد بات علينا أن نتوافق معه رضوخا لشروط اللعبة الجديدة؟
يمكن للمراقب أن يلاحظ بهذا الخصوص جملة من المؤشرات التي تسترعي الانتباه وتعكس نوعية التوزيع الجديد للقوى ووسائل الإقناع أو الضغط التي يمكن أن يعتمد عليها كل طرف لتبرير منطقه وطبيعة التحالفات الجديدة الآخذة بالتبلور شيئا فشيئا، فعلى الصعيد التشيكي يمكن الجزم من خلال ما صدر ويصدر عن المسؤولين في براغ أن ثمة وضوح رؤية فيما يتعلق بالخيار الاستراتيجي الذي قررت البلاد تبنّيه من خلال السماح بإقامة قاعدة الرادار الأميركية فوق الأراضي التشيكية، وذلك بغض النظر عن حالة الرفض الشعبي الواسع لفكرة (استضافة) القاعدة المذكورة.
وينبع منطق الجزم هنا من حقيقة أن معظم القوى السياسية الفاعلة في البلاد ـ ولا أقول جميعها ـ هي مؤيدة بشكل أو بآخر للمشاركة في إقامة الدرع الواقي وإن اختلفت في كيفية اشتراط موافقتها على موضوع حساس مثل هذا. ما هو مهم في المشهد السياسي التشيكي أنه بات شبه مجمع على استضافة الرادار من خلال مفاوضات ثنائية تشيكية ـ أميركية.
أو في إطار المظلة الدفاعية الشاملة لحلف الناتو في حال اقتضت الظروف. والفريد في الأمر أن الخيار الأخير قد بات يشكّل مخرجا لائقا ومشرّفا لمن سيمسك بزمام الحكم في البلاد في حال لم تتمكن الحكومة الائتلافية الحالية من إكمال مشروعها الاستراتيجي المرتبط بموضوع الدرع الواقي.
وإذا كان الموقف بهذا الوضوح في تشيكيا فإنه قد يكون أكثر جرأة وشفافية في بولندا التي ذهبت إلى أبعد من مجرد التفكير في مسألة الموافقة على إقامة قاعدة للرادار، فحسمت موقفها باستضافة قاعدة تُنصب فيها صواريخ أميركية مضادة للصواريخ (الإرهابية) المعادية.
ولا شك بأن الموافقة على استضافة هذه الصواريخ القتالية يشكّل في المفهوم الاستراتيجي بُعدا سياسيا معيّنا يرمي لتحقيق سلسلة من الأهداف، لعلّ أهمها تكريس الاقتناع والقناعة بالموقع الجيو ـ سياسي الذي اختارته هذه الدولة في سياق الصراع أو التنافس الدولي القائم، أخذا بعين الاعتبار أن بولندا تقع في الباحة الخلفية لروسيا وعلى تماس تام مع حدودها.
وقد بدا لنا للوهلة الأولى أن الصراع الآخذ معالمه بالتبلور شيئا فشيئا هو محصور في رقعة سياسية ـ جغرافية قطبها الأول (محور الشر) حسب المفهوم الأميركي بالطبع.
والثاني الولايات المتحدة وحلفائها الجدد في وسط أوروبا، في حين تم وبحرص شديد التركيز على إيران وصواريخها المدمّرة تحديدا، التي ستصل إلى براغ ووارسو وغيرها من العواصم وفق ما يجري الترويج له في هذه المنطقة من العالم. ولا ندري لماذا أُسقطت فجأة من ذلك المحور كوريا الشمالية التي كانت تُستخدم أيضا كفزّاعة لتبرير جدوى إقامة القواعد الأميركية الجديدة، لكن يبدو بأن ذلك قد تم بسبب القرار الأخير الذي تبنّته كوريا الشمالية للتخلي تدريجيا عن برنامجها النووي وأسلحة الدمار الشامل التي تملكها.
إلا أن جوهر الصراع بدأ يأخذ في الآونة الأخيرة أبعاده الحقيقية وبتنا أكثر اقتناعا بأن القطب الحقيقي المواجه للولايات المتحدة هي روسيا وليس إيران لوحدها، وتحديدا روسيا القوية الآخذة بمد جناحيها الكبيرين بعزم، والراغبة بتظليل ـ إن لم نقل السيطرة مجددا على ـ أكبر رقعة جغرافية وسياسية ممكنة في الجوار القريب والبعيد.
ما يؤكد هذه الرؤية هو التراشق الواضح بين روسيا والولايات المتحدة، والتحركات الدبلوماسية التي تذكّرنا بمرحلة الحرب الباردة، ومحاولات الاختراق التي يقوم بها قطبي الصراع من خلال اللعب على الوتر الشعبي واستغلال ذلك للضغط على حكومات الدول الأخرى المتورطة ـ قسرا أو طواعية ـ في هذا الصراع الجديد.
ولقد استخدمت روسيا مؤخرا ورقة فريدة من نوعها للّعب على هذا الوتر الشعبي من خلال تجنيد بعض رموز الحقبة الباردة البائدة مثل ميخائيل غورباتشوف، الذي حرص على تذكير شعوب أوروبا الشرقية بأن (الولايات المتحدة الأميركية تعاني من مرض الانتصارات الدائمة)، ولذلك فإن بلاده مجبرة لتبّني ردود الفعل الضرورية التي قد لا تخلو من توجيه الأسلحة المناسبة باتجاه تلك القواعد.
وإذا قللنا من أهمية هذه التصريحات باعتبارها جزءا من حملة إعلامية معروفة الأهداف، إلا أننا نجد أنفسنا مضطرين للجزم بأن إشراكا المنظّرين القدامى في صياغة مفردات التخاطب الدبلوماسي الحاد في هذا الوقت بالتحديد يستدعي أكثر من تحليل في العمق، لأنه بات يضفي على الصراع المستعر نكهة تصادمية خاصة كادت شعوب المنطقة أن تنساها كليا في خضم انشغالها بمشروع تحولها إلى مجتمعات غربية ديمقراطية.
روسيا هي اليوم إذا في صلب المواجهة المباشرة ضد مشروع الدرع الواقي من الصواريخ المعادية، لأنها باتت مقتنعة تماما بأنها المستهدف الأول والأخير منه، وذلك انطلاقا من الحقائق الكثيرة المرتبطة بالتحولات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي حققتها والتي على ما يبدو لم تقنع الغرب ـ بشقيه القديم والجديد ـ بصدق نواياها وأهدافها.
المرحلة دقيقة جدا بلا شك لأنها ستفتح الآفاق لتطورات تاريخية نأمل منها أن تبقى دائما في إطار التعاطي السلمي. وبجميع الأحوال فان أحدا لا يريد عودة الحرب الباردة، لكن إذا شاءت ظروف المرحلة أن تعيدها فعليا أو رسميا لا سمح الله، فإنها ستكون بالنسبة لشعوب وسط أوروبا على الأقل ـ أفضل ألف مرة من أية حرب حقيقية تستخدم فيها مجددا تلك الترسانة الهائلة من الأسلحة.
كاتب لبناني