التصعيد المفاجئ الخطير على الحدود التركية ـ العراقية، ينذر بما هو أكثر وأبعد من كمائن لمتمردين ومن تهديدات بمطاردتهم، وذلك من دون التقليل طبعاً من حجم الخسائر البشرية؛ ولا من خطورة أي توغل تركي، في الأراضي العراقية، لكن المسألة لا يبدو أنها تقف عند هذه الحدود، ذلك أن وتيرة التصعيد ودرجته وظروفه، فضلاً عن ردود الفعل حوله؛ كلها تشير إلى احتمال أن يكون الصراع الكردي ـ التركي قد بدأ يسلك طريق إدخاله على خط أزمة المنطقة؛ بكل جوانبها وتعقيداتها والمعادلات المفتوحة عليها.

العملية العسكرية التي قام بها مقاتلو حزب العمال الكردستاني ضد قوات تركية وسقط على إثرها 15 جندياً؛ كانت صدمة موجعة لأنقرة، الحكومة اعتبرتها «اعتداء على هيبة الدولة وسيادتها». وزاد من حدتها وبالتالي من شدة الغضب التركي أنها وقعت بعد أيام فقط من عملية أخرى أودت بحياة 12 جندياً تركياً؛ وفي اللحظة التي كانت فيها المساعي قد بدأت تنجح في تبريد الأجواء للحيلولة دون حصول اجتياح تركي لشمال العراق.

تقارب العمليتين، بصرف النظر عن الملابسات والخلفيات يطرح أكثر من تساؤل، خاصة في ضوء حصيلتهما؛ باعتبارها من العيار الثقيل الذي بدا ـ ولو من دون قصد ـ وكأنه مصمم لاستدراج رد فعل يزيد الأوضاع في العراق والجوار تعقيداً واشتعالاً، بل ربما قد يدفع بها إلى منزلقات، تصبح العودة منها إلى الوضع الراهن مطلباً يكون تحقيقه أشبه بالمستحيل.

المخاوف من انفلات الأمور في هذا الاتجاه عكستها ردود فعل مختلفة؛ إقليمية ودولية. معظمها تقاطع عند الدعوة إلى التروي، والعمل على احتواء التأزيم وتجاوز هذا التطور، والمشجع أن الحكومة العراقية أعلنت عن اتخاذ خطوات لوقف النشاطات المنطلقة من أراضيها الشمالية ضد تركيا.

وكذلك دعت إلى تخلي حزب العمال الكردستاني ـ بلسان الرئيس الطالباني ـ عن السلاح والتحول إلى حزب سياسي فقط، كذلك كلام أنقرة حول الامتناع عن القيام بعمل عسكري «فوري» وإعطاء الوقت للعثور على صيغة بديلة عن التوغل، يخدم في تفويت الفرصة على أية محاولة أو احتمال، لتصويب هذا التصعيد باتجاه مفاقمته وتوظيفه، من أجل توسيع ساحة الصراعات ووضعها في إطار مسدودة آفاقه.

وإذا كان على الآخرين المساهمة في تعزيز المعالجات القادرة على تطويق التدهور؛ فإن على الطرفين، التركي والعراقي الاضطلاع بالشق الأكبر من هذا الدور، بالنهاية ساحتهما هي المعنية مباشرة بالأزمة وتداعياتها؛ والتي ليست من الصنف السهل التحكم بمفاصلها ومآلها، والوضع العراقي صعب ومتعثر بما فيه الكفاية.

وبالتأكيد لا يحتاج إلى المزيد، بل لا يقوى على فتح جرح جديد في خاصرته الشمالية، ولا حتى أنقرة من مصلحتها فتح نزيف عراقي آخر على حدودها، اللحظة الراهنة تستدعي العض على الجروح وليس توسيعها، وخاصة أن في توقيت هذه التطورات العسكرية ما يدعو إلى الريبة، أو في أحسن الحالات إلى الخشية من إمكانية تجييرها واستغلالها لمآرب وغايات متضاربة مع مصالح العراق وتركيا والأكراد؛ سوياً.

الحالة على الحدود العراقية ـ التركية مقلقة. ما جرى وحصل مرشح لتكون له مفاعيل ومضاعفات، تطول وتؤذي مصالح كل الأطراف على المديين القصير والطويل، والخسائر هنا قد تكون من النوع الوجودي المصيري، الأمر الذي يتطلب قدراً من الانتباه غير الاعتيادي، وبالتالي من التعاطي البالغ الحذر والدراية. التعامل العسكري قد يكون أقصر الطرق. لكنه بالتأكيد ليس الأكثر ضمانة وسلامة.