يمثل التصعيد العسكري الأخير على الحدود العراقية - التركية يوم أمس والمتمثل في مقتل 12 جنديا تركيا في كمين نصبه المتمردون الأكراد عاملا سلبيا جديدا يزيد من فرص الإنجرار وراء إجتياح عسكري للأراضي العراقية بهدف مطاردة حزب العمال الكردستاني.

في حال حدوث هذا التحرك العسكري سوف تكون سابقة خطيرة في إجتياح الحدود العراقية إقليميا وربما يفتح المجال أمام قوى أخرى طامعة في احتلال موقع ومكانة في القرار السياسي والاقتصادي العراقي لممارسة نفس التحرك العسكري بمبررات أخرى.

لا جدال على حق تركيا في الأمن داخل حدودها وإيقاف عمليات حزب العمال الكردستاني التي تستهدف المدنيين والجنود الأتراك ولكن من الضروري أيضا الحفاظ على سلامة ووحدة الأراضي العراقية من الإجتياح والهجمات العسكرية التي يسقط نتيجتها الأبرياء.

في هذا السياق تبدو مسؤولية القوى الكردية المهيمنة على السلطة في شمال العراق في تفهم المطالب التركية ومنع العنف الموجه ضد الدولة التركية لأن الثمن سيكون فادحا لأمن شمال العراق ومواطنيه ، وهم الذين عاشوا سنوات من الإستقرار والتنمية الفريدة من نوعها في المناطق العراقية الأخرى.

هناك أيضا مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة على الدول الإقليمية لممارسة دور إيجابي في منع التوجه نحو الخيار العسكري وليس التشجيع عليه ، لأن اي إنفلات للأمن في المنطقة سوف تكون له عواقبه السلبية على الأمن الجماعي للمنطقة وفرصة لقيام بعض الدول التي لا تؤمن باستقلال ووحدة الأراضي العراقية باستخدام التدخل التركي العسكري ذريعة أو مبررا لتحرك عسكري من قبل هذه الدول داخل الأراضي العراقية بهدف المساهمة في تشتيت أوصال بلاد الرافدين وتحقيق طموح سياسي وطائفي وعرقي قديم.

القيادات الكردية في العراق رفضت تسليم قادة حزب العمال الكردستاني إلى تركيا ، وتبدو الأولويات القومية حاضرة وواضحة في هذه التصريحات ولكن من الممكن للقوات الكردية في شمال العراق بحكم سيطرتها على الأمن أن تستجيب لقرارات الحكومة المركزية في بغداد والتي طلبت من قيادات الحزب مغادرة الأراضي العراقية أو منع الهجمات ضد تركيا.

التناقض في المواقف بين القادة الأكراد في شمال العراق ومواقف الحكومة العراقية مؤشر خطير على إنقسام الموقف وعلى تطرف قومي للقادة الأكراد يهدد بوضع العراق في حالة التعرض للهجوم الخارجي ، وهذا ما يضيف إلى مخاطر خيارات التقسيم التي بدأت تظهر مؤخرا دوليا وإقليميا حيث يتصرف قادة الأكراد في الشمال وكأنهم دولة مستقلة لا تعترف بسيادة الحكومة العراقية ورغبتها الإستراتيجية في عدم الوصول إلى مرحلة الصدام العسكري مع تركيا.

التطورات الخطرة الأخرى تتمثل في إمكانية مشاركة القوات الأميركية في العراق في حملة عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في حال عجزت أو رفضت الأحزاب الكردية التعامل مع الموقف وهذا ما سوف يخلق تمزقا جديدا في العراق ومشاركة جديدة للقوات الأميركية في مواجهة ضد قوى عراقية وسوف يؤدي إلى نفس النتائج الكارثية لتدخل تركي خارجي.

وبالإضافة إلى ذلك يبقى الخطر كبيرا في محاولات غير بريئة لجر تركيا ، وهي ذخر ديمقراطي واقتصادي وسياسي للدول المسلمة في صراع مع دولة مسلمة أخرى يؤثر على مصداقية التجربة الديمقراطية للحكومة التركية التي يعتز بها كل المسلمين ، كما أن جر الأكراد إلى صراع مع تركيا يؤدي إلى إستباحة الأراضي العراقية نتيجة التطرف القومي وبحجة حزب العمال الكردستاني هي محاولة أخرى لجر العراق إلى مرحلة جديدة من التمزق والتقسيم.