على رأس مواطن الخلل في اتفاقية السلام أنه ليس لأهل الشمال سلطة حكم ذاتي كما لأهل الجنوب. إن المفهوم أن بروتوكول قسمة السلطة وبروتوكول قسمة الثروة وضعا على أساس مبدأ الفيدرالية. ووفقاً لهذا المبدأ الأساسي فإن «أي كيان فيدرالي يتكون من إقليمين فأكثر. وإذن وكما نصت الاتفاقية على قيام إقليم جنوبي فإنه كان ينبغي أن تنص على قيام إقليم شمالي أيضاً.
ولكن بينما ينص الاتفاق على أن يكون لأهل الإقليم الجنوبي مؤسسة سلطوية ذاتية تتكون من حكومة وبرلمان بل ودستور إقليمي، فإنها تخلو تماماً من نص يتيح مثل هذا الامتياز لأهل الشمال.
وهكذا نشأ وضع شاذ. إذ ان أهل الجنوب لا يتمتعون باستقلال ذاتي فحسب، بل يشاركون أيضاً في حكم أهل الشمال عن طريق السلطة المركزية بينما أهل الشمال ليس لديهم هوية حكم ذاتية. وأساس الخلل هو أن العملية التفاوضية في كينيا التي أفرزت الاتفاقية لم تكن بين الشمال والجنوب، وإنما كانت تحديداً بين «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية».
إنه وضع يحتاج لتصحيح هيكلي، لأن معظم بنود بروتوكول قسمة السلطة وبروتوكول قسمة الثروة بنيت على أساسه مما يتطلب مراجعة جذرية. ولو أجريت مثل هذه المراجعة الجذرية لصار لأهل الشمال ليس فقط مؤسسة سلطة إقليمية بما في ذلك حكومة ذاتية وبرلمان ذاتي بل أيضاً جيش شمالي مستقل على غرار جيش «الحركة الشعبية» في الإقليم الجنوبي وفرع للبنك المركزي خاص بالشمال.
وامتداداً لهذا السياق يجب أن نشير إلى أنه بينما تعتبر «القوات المسلحة السودانية» القوة النظامية العسكرية القومية وفقاً لبروتوكول الترتيبات العسكرية والأمنية في وثيقة الاتفاقية فإنها في الحقيقة غير ذلك.
إذ انه وفقاً للبروتوكول فإن القائد العام للقوات المسلحة أو حتى القائد الأعلى ـ أي رئيس الجمهورية ـ ليس بوسعه إصدار تعليمات إلى الجيش الإقليمي الجنوبي ـ جيش «الحركة». فالسلطة العليا الوحيدة المخول لها إصدار تعليمات إلى هذا الجيش هي فقط رئيس الحركة الجنوبية.
هناك إذن جيشان مستقلان تماماً داخل دولة واحدة. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل القوات المسلحة السودانية كيان قومي فعلاً؟ ثم إذا جاز أن يكون للجنوب جيشه الإقليمي الخاص فلماذا لا يكون للشمال جيش إقليمي مماثل ومن ثم ينشأ بعد ذلك كيان عسكري ثالث هو «القوات المسلحة الاتحادية»؟
أما السؤال الأكبر في هذا السياق فهو: لماذا لم تنص الاتفاقية على حل جيش «الحركة الشعبية» كما كان الحال في اتفاقية أديس أبابا عام 1972! لقد كانت «قوات أنيانيا» كما قوات «الحركة الشعبية» جيش تمرد غير شرعي. ولذا اقتضى اتفاق إنهاء الحرب وإحلال السلام في أديس أبابا تصفية هذا الجيش كقوة عسكرية مستقلة جرى استيعاب الأفراد المؤهلين من كوادره ضمن القوات المسلحة القومية الشرعية.
ويبقى السؤال الأكبر الأخير: لماذا يحدد اتفاق نيفاشا حدود الإطار التنافسي للانتخابات في كافة مستوياتها بحرمان كل من يتخذ موقفاً انتقادياً أو معارضاً للاتفاقية من حق التنافس الشرعي في العملية الانتخابية وكأن الاتفاقية نهاية التاريخ أو سدرة المنتهى؟
هذا التحريم لا يعني إلا شيئاً واحداً ألا وهو أن الاتفاقية وفرت لطرفي السلطة مغانم سلطوية كبيرة لن يحصل أي منهما عليها عن طريق التنافس الانتخابي الحر.لكن على الطرفين أن يدركا أنهما موعودان بأزمات متكررة طالما بقيت نصوص الاتفاقية المعيبة دون تصحيح هيكلي.