في 15 أكتوبر 1962، اكتشفت طائرات التجسس الأميركية بعض الصواريخ السوفييتية في جزيرة كوبا، وأقامت واشنطن الدنيا ولم تقعدها جراء ذلك ووضعت العالم على شفى حرب عالمية ثالثة.

لكن حكمة الرئيس السوفييتي نيكيتيا خروتشوف وضعت حدا لتلك الأزمة الكبرى ونأت قياد الاتحاد السوفييتي والقيادة الكوبية بنفسها ومعها العالم أجمع عن خوض حرب طاحنة غير مبررة وسحبت تلك الصواريخ من الجزيرة الكاريبية الواقعة عند الخاصرة الجنوبية الشرقية للولايات المتحدة وانطفأ لهيب الأزمة مرة وإلى الأبد.

بات في حكم الأمر الواقع أن العالم لم يعد أدراجه حاليا إلى تلك الحقبة من تاريخه الساخن التي حملت عنوان «توازن الرعب» فحسب، بل إنه لم يخرج منها إلا بصورة مؤقتة جراء خيانة بعض القادة السياسيين للمجتمع الإنساني بأسره حين آثر هؤلاء مصالحهم الشخصية الضيقة القذرة على مصالح شعوب العالم بأسره وسلموا زمام أمور هذا العالم لجهة واحدة ذات لون واحد تتفرد به وتتحكم بمصيره حسب أهوائها ونزواتها.

لكن يبدو أن هذا العالم عاد ليتنفس الصعداء من جديد على ضوء التوجهات الروسية الجديدة الكفيلة بإعادة الكرة الأرضية إلى حالة التوازن المعهودة والمطلوبة بكل قوة لما تعنيه تلك الحالة على صعيد تقليص مخاطر اندلاع حروب كبرى عادة ما تشنها قوة كبرى لا تجد أمامها قوة معادلة رادعة تقابلها وتثنيها عن عزمها في ممارسة سطوتها وجبروتها على شعوب أخرى أضعف منها.

نعم إنها الحرب الباردة، لكن بما أنها تأتي لتحل محل حروب ساخنة طاحنة شنها جميعا القطب المهيمن الواحد ممثلا في الولايات المتحدة الأميركية في ظل الغياب المؤسف للقوة الرادعة التي كانت ممثلة بالاتحاد السوفييتي،

فإنه لا يسع المرء إلا القول: مرحبا بتلك العودة الميمونة، فما الضير في «حرب» من هذا النوع وقودها الكلام وليس الدماء التي سالت مدرارا ولا تزال أثناء غياب حالة التوازن المنشودة على الصعيد الكوني.

وما الضير في تعدد مراكز القوى على الصعيد العالمي إذا أخذنا في الاعتبار حالات الفشل المتكررة التي منيت بها جميع محاولات التوصل إلى اتفاقات دولية تحظر إنتاج ونشر الأسلحة النووية على سبيل المثال وإذا تذكرنا أن السلاح النووي لم يستخدم إلا عندما كانت تملكه دولة واحدة هي الولايات المتحدة بينما توقف استخدامه منذ أن اصبحت تملكه أكثر من دولة.

ثم ما معنى كل هذه الدهشة التي أثارها تهديد الرئيس بوتين بسحب بلاده من الاتفاقات الدولية المتعلقة بانتشار الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، بينما تنشر الولايات المتحدة كلا النوعين من الأسلحة وأخطر منهما وتستخدمهما وتهدد بهما على نطاق واسع من دون أي تحفظ لا إنساني ولا أخلاقي ولا حتى يتعلق بمصالح الأميركيين أنفسهم المرتبطة أصلا بمصالح بقية أبناء المعمورة.

ثم ما العيب في أن تدافع روسيا عن مصالحها ومناطق نفوذها في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، بينما تأتي القوات الأميركية من على بعد آلاف الكيلومترات وتحاول فرض نفوذها هناك، تحت حجج واهية لم تعد حافية على أحد.

ثم ماذا عن كرة الكذب الثلجية التي بدأت تأخذ حجما جديدا بعد حديث الرئيس بوش عن برنامج نووي عسكري إيراني وإمكانية أن ينتج هذا البلد البعيد كل البعد عن حدود بلاده أسلحة نووية، مع الجميع ينفي الأمر بما في ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ثم إن الرئيس بوش عندما تحدث عن حرب عالمية ثالثة في تصريحاته الأخيرة، إنما فعل ذلك بعد أن أشار بوضوح إلى التهديد الإيراني المزعوم للدولة العبرية، التي يعلم العالم قاطبة أنها تمتلك مئات الرؤوس النووية الفاعلة والموضوعة قيد التشغيل في أي لحظة بحيث لا يعود واقعيا الحديث عن إمكانية هنا أو احتمال هناك.

ثم ما معنى حديث بوش وغيره من المسؤولين الأميركيين وغيرتهم على الديمقراطية في بلاد مثل روسيا، في حين يتم مصادرة الحريات العامة والفردية في الولايات المتحدة نفسها وعن طريق القانون دائما وفي مقدمتها قانون الوطنية سيء السمعة والصيت، ناهيك عن ممارسة أبشع أنواع التعذيب والاعتقال والتحقيق والقتل والاغتيال في أماكن متفرقة من العالم وتدمير بلاد وشعوب بأكملها.

لقد بات في حكم الأمر الواقع أيضا أن زمن هيمنة القطب الواحد قد ولى بلا رجعة، زمن تربع على عرشه الرئيس بوش بفضل خيانة حفنة من أشباه السياسيين المنتشرين حول العالم والمتربعين على عروش أنظمة أكثر من هشة يتآكلها دود الفساد المقزز والحسابات الضيقة والمحسوبيات الدنيئة. فأين وجه الأسف حيال إمكانية تخلص المجتمع الإنساني من هذه القذارات أو بعض منها على الأقل.

bassil@albayan.ae