أوضحنا في مقالنا السابق عن (تجديد الخطاب الديني: الأزمة المستعصية في عصرنا) عجز الخطاب الديني عن تحقيق مهامه الرئيسية الأربع المتمثلة في:
1ـ تقديم صورة حضارية إيجابية عن الإسلام والمسلمين للعالم المعاصر.
2ـ تعميق وتفعيل المشترك الديني والوطني بين أبناء المجتمع الواحد.
3ـ حماية مجتمعاتنا ضد أخطار التطرف وتحصين شبابنا ضد ثقافة القاعدة.
4ـ الإسهام في عمليات التنمية والتحول الديمقراطي وتعزيز حقوق الإنسان.
ويبقى أن نقول ونؤكد ان هذا العجز المزمن لا يتعلق بالإمكانات ولا بقلة الموارد والدعم ولا بضعف تمكين ونفوذ وتغلغل الدعاة والوعاظ والرموز الدينية، بل العكس هو الواقع والحاصل، فالإمكانات والموارد والميزانيات المرصودة لهؤلاء هائلة وضخمة والدعم السياسي والشعبي كبير ومتزايد، وانتشار الدعاة وهيمنتهم تزداد كل يوم عبر منابر المساجد أو الفضائيات.
وكل المناشط والمؤسسات المجتمعية لدرجة أن شهر رمضان الفضيل، أصبح موسماً رائجاً للدعاة والمشايخ لا ينافسهم فيه أحد، ومع ذلك فإن هذا الخطاب الديني العليل لم يستطع تحقيق أي هدف معرفي أو أخلاقي أو سلوكي أو تنموي أو حضاري نفخر به ونتميز به بين شعوب العالم المعاصر.
والسؤال المحير والمقلق: لماذا هذا العجز؟ وإلى متى يستمر الخطاب الديني عامل تكريم للمجتمعات الإسلامية؟ الإجابة تكمن في تحليل هذا الخطاب وفي تفكيك مضامينه لنكتشف أن هذا العجز وذلك الخلل كامنان أساساً في بنية الخطاب الديني: أي أن العجز، عجز ذو خلل بنيوي عميق وليس مجرد خلل شكلي يتعلق بالإفادة من معطيات الحضارة في التقنيات الحديثة
كما يتوهم بعض أصحاب الخطاب الديني بل الخطاب الديني أفاد من تقنيات الاتصال وبشكل غير حضاري في مكبرات الصوت التي تثير ضجيجاً مزعجاً تمنى بعضهم انقطاع الكهرباء حتى يراح ويستراح، مما جعل وزارات الأوقاف والشؤون الدينية في مختلف الدول العربية تنبه الخطباء والأئمة بضبط صوت المكبرات، ولكن ذلك من دون جدوى.
لا أحد ينافس مجتمعاتنا في إساءة استخدام التقنية الغربية الحديثة، أنظر كيف فعل متطرفون بالشبكة الإلكترونية، احتكروها وشحنوا الآلاف من مواقعها بأقبح ما في الإنسان من غرائز أولية ضد أخيه الإنسان المختلف معه مذهباً أو ديناً ورأياً سياسياً. وخلافاً لما يتصوره البعض من أن تجديد الخطاب الديني يتحقق بتجديد مضامين الخطاب ليشمل قضايا المجتمع المعاصرة.
قضية التجديد في تصوري أعمق وأبعد وأشمل، إنها قضية تتعلق ب«بُنية» الخطاب نفسه و«تركيبته» الداخلية، أقصد بها «الفكر الإقصائي» الذي يشكل النبع الأساسي الذي يرتوي منه هذا الخطاب ويحكمه بنيته وتركيبته ومفاصله الأساسية، وسواء كان خطاباً تقليدياً سلفياً أو «صحوياً» معاصراً، فيما يسمى «الإسلام السياسي».
النزعة والروح الاقصائية سِمة ملازمة باستمرار للخطاب الديني بكل أشكاله ومستوياته ومظاهره، سواء كان دروساً دينية أو تعليماً دينياً في مدرسة أو معهد أو كلية أو فتاوى أو حواراً عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية. «الإقصاء» عنصر أساسي لا ينفك عن الخطاب الديني. ويتجلى هذا العنصر الإقصائي في الخطاب الديني المعاصر في (3) مظاهر بارزة هي:
1ـ النزعة الذكورية التسلّطية: الخطاب الديني بوجه عام، خطاب ذكوري، يحتكره الرجال وحدهم، بل حتى في أخص خصوصيات المرأة وأسرارها. المرأة في الخطاب الديني، كائن مغيّب باستمرار رغم أن الحديث عنها دائماً في الفتاوى والوعظ الذي إما أن يحذّر منها
ومن فتنتها وغوايتها وشرورها أو يخشى عليها فيفرض عليها حبساً اجتماعياً يعزلها عن تيار الحياة والمناشط المجتمعية، وكما يقول ـ الذايدي ـ «هناك حساسية مرضية تجاه المرأة وتجاه أي ظهور لها في الحياة العامة، بل وتجاه حقوقها الأولية، فهي كائن غير مرئي في السياسة والتعليم والصحافة والقضاء وكل مجالات الحياة العامة والمجتمع،
يعيش في ظل جدران عالية من الفصل العنصري» المرأة في الخطاب الديني، كائن مُدان ـ دائماً ـ حتى لو كانت الضحية، ففي حالات الاغتصاب والتحرش الجنسي تكون المرأة هي الملومة، أما المعتدي الرجل فمعذور، لأنه لم يستطع مقاومة الإغراء والفتنة ـ مفتي استراليا المعزول، شبه المرأة باللحم المكشوف الذي يغري القطط بالتهامه
وقال: هل نلوم القطط؟! ـ المرأة في الخطاب الديني، كائن عاطفي لا يحسن التصرف والتدبير، فهي بحاجة إلى وصاية الرجل الوالي» الذي يضبط كل تصرفات وسلوكيات المرأة وقراراتها بحكمة كونه «العاقل» المتبصر الذي يكبح جماح المرأة وانقيادها لعاطفتها. ولا يزال الخطاب الديني يمارس ويدعو ضد المرأة في حقها كمواطنة في الوصول إلى المناصب القيادية
وبخاصة «القضاء» لا توجد حتى الآن إلا دولة خليجية واحدة هي البحرين سمحت للمرأة بالقضاء ـ كما أن الخطاب الديني ضد منح المواطنة ـ المتزوجة من غير المواطن ـ حق نقل جنسيتها إلى أطفالها وزوجها، ولا يزال الخطاب الديني في بعض المجتمعات الخليجية ضد تدريس «التربية الوطنية» للطالبات، وضد قيادة المرأة للسيارة،
رغماً من إنفاق ملياري ريال سنوياً على السائقين الأجانب!! ولا يزال الخطاب الديني السائد متمسكاً بأن «دِيَة» المرأة نصف الرجل، بحجة «إجماع» الفقهاء، وهو يخوض معركة «ختان الأنثى» ضد الدولة التي منعته ويحرض ضدها!!
والخطاب الديني مع الرجل في أن يخدع زوجته ويكذب عليها إذا تزوج «أخرى» بحجة أن الكذب مباح في هذه الحالة!! ترى من يخدع زوجته هل يؤتمن إذا تولى منصباً قيادياً؟! من يخدع زوجته يخدع الناس أيضاً ـ والمرأة المخدوعة تنشئ عائلة تعيسة وفي النهاية أمة تعيسة!!
بصفة عامة، الخطاب الديني السائد يتوّجس من أي أمر يتعلق بالمرأة من يوم مجيئها إلى هذه الحياة وحتى مماتها وهو يتمثل القول المأثور «للمرأة عشر عورات، فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة وبقيت العورات التسع حتى إذا ماتت ستر القبر عوراتها الباقية».
2ـ النهج التكفيري ـ التخويني: الخطاب الديني بحكم كونه خطاباً مذهبياً تعصبياً يرى أنه يملك الحقيقة «المطلقة» سواء في ما يتعلق ب«العقيدة» أو ب«الرأي» الفقهي والسياسي، ولذلك يشكك في عقيدة الآخر ونواياه، لأن العقيدة الصحيحة واحدة والفرقة الناجية واحدة، والآخرون (عقيدتهم) فيها انحراف أو ضلال أو ابتداع،
ولا يزال جانب كبير من الخطاب السلفي، خطاباً تعصبياً تكفيرياً ضد «الشيعة» و«الصوفية»، وبالأمس القريب، قامت قيادة السلفيين في الكويت ضد الدكتور محمد عبدالغفار الشريف، لأنه لم يقل بشِرك من طاف بالقبر، وقام انتحاري بتفجير نفسه في كراتشي وسط آلاف يحتفلون بالمولد النبوي، فأصاب المئات.
وإذا كان جانب من الخطاب السلفي «تكفيري» فإن جانباً من الخطاب «الصحوي» تخويني. مثاله: الخطاب التخويني لحزب الله وحماس وجماعات الإسلام السياسي. وبعض كتّاب «الصحوة» يخونون المخالفين لهم وبخاصة من «الليبراليين» والويل إذا ناظرت «صحوياً» عبر الشاشة،
فإنه إذا عجز وأفلس «أخرجك من الملة والوطنية واتهمك بأنك «عميل» ولا يتورع هؤلاء عن استغلال بيوت الله في تكفير وتخوين المخالفين، ولقد كنّا نظهر أن مجتمعاتنا فضلاً عن خطابنا الديني قد تجاوز شعارات «التخوين» و«التكفير» و«العمالة» والتي كانت شائعة في الستينات أيام المد الناصري حتى جاءت خطب هؤلاء التحريضية لتذكرنا بها وتعيدنا إليها ولتبرهن أن خطابنا الديني يستعصي على العلاج.
«التخوين» إفراز لعقلية مريضة يحتكر صاحبها «الدين» و«الوطنية» وينفيهما عن الآخرين في إدعاء شمولي تسلطي وأناني يعبر عن مدى الإفلاس والعجز الفكري لصاحبها، وقد تخلص منها كل شعوب المعمورة ما عدانا، وتلك هي مأساة الخطاب السائد ويبدو أن ماكينة «التخوين» والمخونين لن تتوقف إلا بصاعقة تدمرها على رؤوسهم.
3ـ النظرة الاتهامية التآمرية، الخطاب الديني عامة ـ مسكون بأوهام وهواجس التآمر العالمي، يرى أن «الغرب» عدو متربص لا يأتي منه «خير» وهو المسؤول الأكبر عما يعانيه المسلمون من أوضاع مزرية وتخلّف ومآسٍ وفشل في التنمية والإنتاج والتعليم ولذلك يشحن شبابنا ويملأ نفوسهم كراهية
ويزيد لهم أن يصبحوا مشروعات انتحارية عدمية بحجة «إذا كان الغرب يملك قنابل نووية فنحن نملك قنابل بشرية»!! هذا الفكر الإقصائي الذي يحكم الخطاب الديني المعاصر هو الذي لا يزال يعوّق المسلمين من تقديم خطاب صحي ناضج وعقلاني، متصالح مع الذات ومع العالم ـ أيضاً.
كاتب قطري