نحن شعوب لا تعرف الحرية وإذا عرفتها تخاف منها، معنى الحرية ليس كما أساطير الحكايات التي تروى لنا عن الديمقراطية التي سادت العالم، حيث يمنح الإنسان الحرية على شكل فكرة ثم يتعلمها في أروقة المجتمع ومؤسساته ثم تقدم أمامه ممارسة صادقة يدرك أبعادها ومعانيها ويعرف كيف يتعامل معها.
في عالمنا الثالث تبدو الحرية كبعض أحكام الدين لا تقبل المناقشة فالحرية في بعض دولنا كلها عورة لذلك يتم تغطيتها بملابس فكرية وقوانين شديدة السماكة يصعب من خلالها كشف أستار تلك الحرية، بينما في بعض الدول تلبس الحرية ملابس اقل سماكة من تلك التي تلبسها نظيرتها في دولة مجاورة.
الحرية في بلدان العالم الثالث أصبحت جسدا مغلفا بالقوانين والأنظمة التي لا تسمح لشيء من ذلك الجسد بالخروج حتى أصبحت الحرية في عالمنا عورة نخشى أن يراها الآخرون لذلك نحرص على أن تصونها الأنظمة برداء سميك يصعب اختراقه.
الحديث عن الحرية قضية مختلفة عن ممارستها، فنحن في عالمنا نردد دائما أننا نتمتع بحرية اكبر من غيرنا ولكن عندما ننتقل إلى عمليات التطبيق تختلف العملية فالحرية لا تطبق في مجتمعاتنا كما نتحدث عنها.
الحرية التي نبحث عنها ليست سهلة المنال كما نعتقد وهذا يطرح سؤالا مهما عن الحرية التي نريد وعن نوعها؟ سؤال مكتوب فوق رؤوسنا ندور به أرجاء العالم، هل الحرية التي نريد في عالمنا العربي تختلف عن غيرها وإذا كان ذلك فلماذا هذا الاختلاف..؟.
لقد اختلطت المفاهيم لدينا حول الحرية بجميع أشكالها فلم نعد نعرف الفرق بين ابسط معايير الحرية وأكثرها تعقيدا فكل ممارسة تخلو من الضوابط نجد من بيننا من يسميها حرية بينما الحرية في مفهومها الحقيقي هي أكثر انضباطا من غيرها.
إن من أهم أسباب فشل العالم الثالث في تحديد نمطية الحرية التي يريد هو ذلك التكوين الاجتماعي والسياسي الذي تتميز به هذه الدول فهي تختلف وبشكل كبير عن دول نعتبرها نحن سكان العالم الثالث مثالنا الذي يحتذى في منح الحريات، الحرية بجميع أشكالها وأنواعها لديها فضاء مميز ينشأ معها ويساهم في نموها.
التكوينات الاجتماعية والسياسية في عالمنا الثالث مازالت قاصرة بشكل كبير عن فرض نمطية مختلفة للحرية التي ترغب في تدويرها في المجتمع وفي المقابل تطالب المجتمعات بنوع من الحريات الفكرية والاجتماعية والسياسية تماثل تلك الموجودة في دول أخرى وهذه المطالبة غير واقعية والسبب في ذلك الفروقات السياسية والاجتماعية بين الدول،
كما أن الحرية ليست السبب غالبا في إحداث التغيير ونقل المجتمعات من صورة إلى أخرى بل هي نتيجة. الحريات هي نتاج التحول في المجتمعات وهي تنشأ بشكل تدريجي يتم صياغته وفق للأنظمة والدساتير التي تنشأ في الدول الراغبة في منح الحريات لشعوبها.
الحرية السياسية هي اكبر مطلب تواجه به دول عالمنا الثالث من شعوبها بينما لا تدرك تلك المجتمعات الكثير من آليات تلك الحرية وكيفية استثمارها، الحريات تنشأ في الأجواء السياسية التعددية
وتمارس من خلال النقد الهادف إلى تطوير الأداء في صالح المجتمع وليس في صالح الحزب أو الفرد أو المجموعة المعارضة، هذا النوع من الحريات يمكن مشاهدته بكل وضوح في الدول التي جاءت فيها الحريات كنتائج لممارسات ديمقراطية وحماية من الدساتير والقوانين التي تنظم الحياة.
عالمنا العربي ومع كل المطالبات التي نسمعها حول الحريات بجميع أشكالها ليس نموذجا مناسبا يعتد به في الحرية وهذا لا يحتاج إلى إثبات ولكن ما نحتاج إثباته هو الكيفية التي يمكن أن يمارس بها الأفراد في العالم العربي حرياتهم
وفق منهجية تساهم في تطوير الأنظمة المرتبطة بمنح الحريات بجميع أشكالها ولكن قبل ذلك لابد من حصر المواقع التي يمكن أن تكون مصدرا للتغير والتي يمكن من خلالها منح المزيد من المساحة للفكر والرأي.
إذا استعرضنا موقف الفرد من الدين نجد أن الكثير من القيود التي يضعها الفرد على نفسه باسم الدين، بينما هي في حقيقتها ليست كذلك وهذا ينطبق على السياسة، فالقرآن العظيم يطرح فكرة الحرية الدينية على سبيل المثال من خلال الآية الكريمة التي تقول (لا إكراه في الدين).
إلى آخر الآية وهذه في مبدأ الحريات البذرة الأولى في نمطية الاختيار التي يتمتع بها الإنسان فليس الإنسان مجبرا على منهج بعينه وإلا لما وجدنا الاختلاف في التكوين الاجتماعي والفكري لشعوب العالم.
من هذا المنطلق يجب أن نحدد الكيفية التي نمارس بها حرياتنا فنحن كما غيرنا من شعوب الأرض نحتاج إلى حريات تطلقنا نحو الأفضل وتمنحنا فرصة مؤكدة للتعبير عن مشاركتنا في الحياة بجميع أشكالها ولكننا في نفس الوقت يجب أن نكون أكثر وعيا في مطالبتنا بحرياتنا.
في العالم العربي تبدو البنية السياسية مختلفة كثيرا عن غيرها من دول العالم وخاصة في طريقة إدارة المجتمع وهذا يفرض علينا فكرة تقول إن المطالبة بشكل من الحريات التي نشأت في مجتمعات ديمقراطية صرفة ومن ثم نقلها بحذافيرها إلى واقعنا الاجتماعي يعتبر شكل من المجازفة الحقيقية، وهذا هو السبب وراء محاولات رفض الحريات السياسية في عالمنا العربي.
الإشكالية الحقيقية ليست في المطالبة في الحرية ولكن في الكيفية، بل إن المطالبة بالحريات على غرار ما هو موجود في الدول الغربية هو السبب الرئيس وراء قتل كل مشروعات الحرية الاجتماعية والسياسية التي تطرح في دولنا.
لقد كانت محاولات الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة لنشر الحرية والديمقراطية في العالم الإسلامي شكل من أشكال دعم الحريات ولكن بالطريقة التي يفهمها الغرب وليس على طريقة دولنا وعالمنا وهذا ما أوقع هذا المشروع في أزمة المواجهة مع الواقع الحقيقي لتلك الشعوب ونموذجها السياسي.
وقد صرحت إحدى الدول العربية أن العالم العربي يواجه مؤامرة عالمية تحت شعار الحريات وهذا بالتأكيد انعكاس طبيعي للصورة التي طرحها العالم عن الحريات المطلوب تنفيذها في العالم العربي ولعل مثال العراق يشكل اكبر تصور لفشل الكثير من الحريات التي كان من المحتمل حدوثها بمجرد تغيير في الشكل السياسي لدولة مثل العراق.
نعم العالم العربي يعاني من الحريات وخاصة الحريات المرتبطة بالرأي والنقد ولكن التجربة أثبتت فشل كل المشروعات الداعية إلى توسيع مستوى الحريات وذلك لسبب بسيط يكمن في اختلاف البيئة السياسية والفكرية التي يتميز بها عالمنا العربي.
نحن مجتمعات تعتقد أن الحرية وحدها تشكل الطريق للحلول الاجتماعية والسياسية وهذه فكرة اعتقد أنها ليست سليمة بدرجة كبيرة، الحريات بجميع أشكالها هي نتاج طبيعي لتحول المجتمعات وليست سببا في تحولها.
الحريات بجميع أشكالها وصورها سوف يخلقها تطوير الإنسان وتعليمه، أما القفز على التطور والمطالبة بحريات غير ناضجة فتلك سوف تواجه بالكثير من العقبات. ان الحريات مطلب أساسي لعالمنا العربي بل إن العالم العربي
يجب أن يبني أسسا لزرع مناهج الحريات الاجتماعية والسياسية وذلك عبر تأسيس تتبناه المؤسسات الاجتماعية قبل غيرها وخصوصا المؤسسات التربوية وان لم يكن ذلك فلننتظر تغيرا لا يختلف كثيرا عما يحدث في العراق.
كاتب سعودي