نحن أمة يزخر قاموسها اللغوي بكم هائل من الحكم والأمثال التي نستدعيها كلما دعت الحاجة أو اقتضى الحال أو ضاق بنا عن الوصف المجال. ولأننا قوم تربينا على تقدير من سبقنا واحترام عقولهم وترجيح حكمتهم على خبراتنا المحدودة في الحياة فنحن كثيرا ما نأخذ أقوالهم على أنها مسلمات لا مجال لمناقشتها حتى تصبح هذه الأقوال جزءا من دستور حياة لا نحيد عنه ولا نفكر في تغييره ولا نعطي أنفسنا حق إعادة النظر فيه أو تعديله.

هذه حالة لا يمكن إطلاقها على علاتها لأنها تعترينا عندما تتوافق هذه الحكم والأقوال مع أهواء نفوسنا التي قال عنها إمبراطور الشعراء أبوالطيب المتنبي «لهوى النفوس سريرة لا تُعلم» وعندما لا تتعارض مع رؤانا ومصالحنا،

لأننا سرعان ما ننسف هذه الحكم والأقوال ونلقي بها خلف ظهورنا إذا تعارضت مع النظرة الثاقبة التي نؤمن بأننا نتمتع بها دون خلق الله أجمعين، ونمتاز بها على كل المخلوقات حتى لا يعود يرقى إلى مستوى حكمتنا مخلوق على وجه الأرض أو تحت السماء.

«ما خاب من استشار» واحدة من هذه الحكم التي تجد لها سوقا رائجة أحيانا وتباع بأبخس الأثمان أحيانا أخرى. ولأن الاستشارة أنواع ودرجات، ولأن المستشارين أصناف وطبقات، فقد حجز موضوع «الاستشارة والمستشارين» لنفسه بابا طويلا في تاريخ حياتنا القديم والحديث، وفتح في هذا الباب فصولا تتجدد بتجدد الزمان واختلاف المكان وتلاقي المصالح وتضاربها وتبدل الوجوه وتناسخها وخلو الكراسي وامتلائها.

ثقافة «الاستشارة» هذه تركت آثارها على كل مناحي الحياة قديما وحديثا، وما زالت تلقي بظلالها على كل معالم حياتنا المعاصرة راسمةً وجه هذه الحياة الذي يراه البعض باسما ويراه البعض الآخر عَبوساً متجهما، شأننا في ذلك شأن كل البشر في اتفاقهم على بعض الأشياء واختلافهم على بعضها الآخر،

فما الذي فعلته ثقافة «الاستشارة» بنا على مدى سنوات عمر دولتنا التي تقترب من إكمال عقدها الرابع متجاوزةً مرحلة النضج التي يتطلب الوصول إليها المرور بتجارب تحتمل الصواب والخطأ وفق النظرية التي تقول «إن تجربة الصواب والخطأ في تاريخ الأمم والأفراد طريق النضج والتقدم»؟

ليس ثمة من ينكر أن أي دولة ناشئة حديثة التجربة تحتاج إلى استشارة من سبقوها في ميادين التنمية لوضع البنية التحتية لها في مختلف المجالات من تعليم وصحة واقتصاد وإعلام وتخطيط عمراني وكافة شؤون الحياة التي تحتاجها الدول الحديثة

ويتطلع إليها شعب يسعى إلى النهضة والتقدم ويملك المقومات المادية لذلك، بينما تنقصه الخبرة فيلجأ إلى المشورة واستقطاب الخبرات من الدول التي سبقته في هذه الميادين كي يوظفها في خدمة الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.

وانطلاقا من هذه القاعدة التي لا يختلف عليها اثنان شهدت البلاد في مرحلة البدايات وفود العديد من الخبرات التي صُنِّفت تحت بند «الاستشارات» واحتل «المستشارون» ركنا أساسيا من الهيكل الوظيفي في جميع وزارات الدولة والدوائر المحلية في كل إمارة، وكانت الثقة في هؤلاء المستشارين مطلَقة تأسيسا على الحديث النبوي الشريف «المستشار مؤتمَن».

والحق يقال إن أولئك المستشارين والخبراء قد أسهموا بجهد وافر في وضع اللبنات الأولى للمؤسسات والوزارات والدوائر التي نشاهدها اليوم، وعملوا بكل إخلاص وتفان، مسخِّرين خبراتهم للنهوض بهذا الوطن، مقدمين خلاصة تجاربهم للجهات التي استقدمتهم، مشاركين بفاعلية في بناء الوطن وإعلاء صرحه.

وكان طبيعيا أن يستفيد أبناء الوطن من تلك الخبرات وأن يطوروا أنفسهم في ظل تنامي حركة التعليم والتوسع في بناء المدارس وإنشاء الجامعات وابتعاث الدارسين إلى الخارج لنيل أعلى الشهادات العلمية والاحتكاك بذوي الخبرة في أكثر الدول تقدما وعلما،

ليعودوا إلى أرض الوطن كي يواصلوا المسيرة التي بدأها الجيل المؤسس قبلهم، ويوظفوا ما حصلوا عليه من علم وخبرة لخدمة الوطن الذي لم يبخل عليهم بشيء، ليس من باب رد الجميل وإنما تلبية لنداء الواجب الذي يحتم عليهم الاضطلاع بمسؤولياتهم في خدمة الوطن.

لهذا كان من المفترض بعد ما يقارب الأربعة عقود من عمر الدولة أن يتقلص إلى الحد الأدنى عدد الخبراء والمستشارين ويحل محلهم أبناء الوطن الذين لم يعد ينقصهم العلم الذي نالوا فيه أعلى الشهادات ولا الخبرة التي اكتسبوها بالممارسة العملية والاحتكاك بمن هم أقدم منهم تجربة وأكثر خبرة.

هذا ما يفترضه المنطق، لكن الواقع يقول إنه ما زال هناك من لا يثق بالشهادات التي يحملها أبناء الوطن ولا بالخبرات التي اكتسبوها وأصبحت تشكل رصيدا يضعهم في مصاف أولئك الخبراء والمستشارين المستوردين إن لم يفوقوهم علما وخبرة.

يؤكد هذا ما نشاهده في بعض وزاراتنا ودوائرنا ومؤسساتنا التي ما زالت تعيش عقدة الخبراء والمستشارين القادمين من خارج الحدود بينما تضم بين ظهرانيها من المواطنين من لا يقلون عن هؤلاء الخبراء والمستشارين علما ولا خبرة إذا أضفنا إليهما حرص هؤلاء المواطنين

وغيرتهم على مصلحة وطنهم وإخلاصهم له وتفانيهم في خدمته شكّل لهم ذلك رصيدا يرجِّح كفتهم ويجعلهم الأَولى باحتلال المواقع الأمامية في مؤسساتهم وتصدُّر واجهات هذه المؤسسات التي لا نشك إطلاقا في أنهم سيكونون وجوها مشرفة لها.

نحن لسنا ضد الاستعانة بالخبراء للاستفادة من خبراتهم في بعض المجالات التي تنقصنا فيها الخبرة ونحتاج في بعض جوانبها إلى الاستشارة، لكن بعض وجوه الخبراء والمستشارين التي تطالعنا في بعض الأماكن

واضح أنها ليست من ذلك النوع الذي تحتاجه الدول في مجال تفتيت الذرة أو علوم الفضاء أو الجينيوم البشري، لأن الأعمال التي يقومون بها يستطيع أن يؤديها مواطن حديث التخرج دون أن يحدث كل هذه الجلبة والضجيج اللذين يحدثونهما كي يضفوا على ما يقومون به بهرجة نعرف جيدا أنها مفتعلة.

نعود فنقول إننا أمة يزخر قاموسها اللغوي بكم هائل من الحكم والأمثال التي نستدعيها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، لكن بعض هذه الحكم والأمثال تغيب عنا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إليها، ومنها ذلك المثل الذي يقول: «أهل مكة أدرى بشعابها».