«إذا استمعت إلى التهديدات وإلى نصائح أجهزة الأمن فسيتعين ألا أغادر منزلي. إن لديهم أعمالهم ولدي أعمالي، وسأقوم بها». «إنني ذاهب إلى إيران بالطبع» هذا ما قاله بوتين بعد انتهاء لقائه بالمستشارة الألمانية ميركل ردا على التحذيرات بأن ثلاثة فرق بينها انتحارية خططت لقتل أو أسر بوتين في طهران.

هل كانت الرواية صحيحة حسب احتمال ألكسي مالاشينكو الخبير الأمني في مركز كارنيجي لصحيفة التلغراف اللندنية (15 أكتوبر 2007)، أم أنها، حسب احتماله أيضا، من بنات أفكار بوتين نفسه لكي يجعل من نفسه بطلا في أعين الشعب الإيراني الذي لا يعرفه كثيرا؟

أم أن الأمر شبيه باستفزاز أميركي للحيلولة دون خطوة كبيرة أخرى على طريق تعزيز العلاقات الروسية الإيرانية،، كما كتب ميخائيل ليونتيف، المحرر الرئيسي لمجلة «بروفيل» الروسية؟

أم أن محاولة الاغتيال من قبل قوى إسلامية متطرفة في داخل إيران هي حقيقة. على أن الأمر هنا يشبه إلى حد كبير اتهامات إيران بأنها وراء الأعمال الإرهابية في الشيشان، «أي أن حكام إيران الشيعة يعدون جماعات القاعدة أيديولوجيا»؟! ـ يستغرب ليونتيف.

لكن مدير معهد دراسات إيران المعاصرة في موسكو رجب سفاروف لا يرى بأن هناك قوى في إيران لها مصلحة في الاعتداء على بوتين على في الأراضي الإيرانية. (كممسومولسكايا برافدا، 15 أكتوبر 2007)، بعكس ما يعتقده رجل الاستخبارات الروسية السابق ميخائيل لوبيموف من أن الإشاعة تعكس صراعا بين الجماعات الإيرانية.

وسنجد في الصحافة العالمية تفسيرات أخرى يتمترس كل منها وراء موقف سياسي أو أيديولوجي معين. أما الحقيقة فهي أنه بعد زيارة بوتين لإيران وانعقاد قمة قزوين التاريخية ستبدو إيران ليست في عزلة عن محيطها القزويني، بل محط تقديره، ما سيصعب على الرئيس بوش اتخاذ قرار بالعدوان على إيران. وقد نجحت إيران في إرسال هذه الرسالة بعد أن بذلت جهودا كبيرة من أجل انعقاد القمة، وفي طهران تحديدا.

بوتين يعرف بدوره حجم الضغوط الأميركية على روسيا من أجل رفع «الغطاء» عن إيران، لكنهما الاثنين يعرفان جيدا أنه من على الأراضي الإيرانية يمكن أن يلعب مستقبل منطقتي بحر قزوين والخليج النفطيتين معا.. في هذا الاتجاه أو ذاك. لذلك فبين «بوش وبوشهر» اختار بوتين الأخيرة.

قمة قزوين بنتائجها عنت تغليب المصالح الإقليمية المشتركة والاستقلال عن تأثير النفوذ الأجنبية وشركات النفط العالمية ومن أجل تعزيز السلم والاستقرار والأمن والتعاون الاقتصادي في المنطقة وإبعاد شبح الحرب عنها.

ورغم أن القمة تعطلت منذ عام 2002 وأصبح واضحا أن تحديد الوضع القانوني لبحر قزوين لا يزال بعيد المنال، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تعاونا نشطا بين دول قزوين في مسائل استخراج ونقل المواد الكربوهيدراتية.

كما أن تزايد عوامل عدم الاستقرار في منطقة قزوين وبالقرب منها، وقيام القيادة الأوروبية التابعة للقوات الأميركية بإعداد خطة «حراس قزوين»، وازدياد التطرف الديني والإرهاب وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة نبهت دول المنطقة إلى أن هذه العوامل إذا ما اتحدت مع عامل بقاء قضايا الخلافات حول حقوق ملكية حقول النفط والغاز معلقة، وعامل عسكرة المنطقة، فإن ذلك سيضع قزوين على كف عفريت.

وهذا ما حدا ببعض المحللين الأميركيين، حسب معهد الشرق الأوسط في موسكو «للقول إنه حتى عام 2015 ستصبح منطقة قزوين واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا. وهذا أيضاً ما جعل بلدان المنطقة تستشعر الخطر

وتتبادل مقترحات مشاريع الأمن الإقليمي التي من بينها مشروع «مجموعة التفاعل العملياتي» (كاسفور) الذي طرحته موسكو في صيف 2005 والقاضي بإنشاء نظام أمن قزويني تدخل في قوامه كل الأساطيل البحرية التابعة لجميع دول قزوين.

راهن كثير من المتابعين في الغرب على عدم إمكانية انعقاد قمة قزوين الثانية. فبالإضافة إلى عدم إمكانية التوصل إلى معاهدة حول الوضع القانوني لبحر قزوين في الوقت الحاضر، فقد اعتبروا اختيار طهران مكانا لانعقاد القمة سببا مهما آخر في فشلها.

في هذه القمة طرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مبادرة بإقامة منظمة للتعاون الاقتصادي بين دول قزوين. وقد أيدتها القمة وقررت عقد لقاء في موسكو في العام القادم لصياغة مفاهيم عمل هذه المنظمة. الرئيس الروسي دعا إلى ألا يصبح وضع بحر قزوين عامل تقسيم، بل توحيد وشد روابط بين بلدانه.

وعبر عن أمله بأن تحذو دولتا جنوب قزوين ـ إيران وتركمانيا ـ حذو دوله الثلاث ـ روسيا، كازاخستان وأذربيجان ـ باتفاقها حول استخدام الثروات الباطنية شمال قزوين. وذكر بوتين باقتراحه إنشاء مجموعة التفاعل العملياتي (كاسفور) ودعا إلى ضرورة تطوير التعاون في مجال الأمن.

ورغم أن معاهدة شاملة حول الوضع القانوني لبحر قزوين قد تركت للمستقبل، إلا أن القمة خرجت بوثيقة أعطتها بعدا سياسيا غاية في الأهمية. فقد أكدت على أن التعاون بين دول قزوين الخمس يتجاوب ومصالح شعوبها ويشكل عاملا مهما لضمان السلم والاستقرار في الإقليم ويؤمن التطور الاقتصادي الوطيد وحسن الجوار والتعاون على أساس المساواة بين الدول.

وتضمنت الوثيقة التزاما متبادلا بين الدول الخمس بعدم السماح تحت أية ظروف باستخدام أراضي أية دولة من دول قزوين من قبل دولة أخرى لشن العدوان أو أية عمليات عسكرية ضد أي من بلدان قزوين. وقد فهم ذلك على أنه امتناع واضح من جانب أذربيجان، كازاخستان وتركمانيا عن السماح للولايات المتحدة الأميركية باستخدام أراضيها في حال قامت الأخيرة بهجوم عسكري ضد إيران.

إذا ما تواصل هذا الاتجاه القزويني في مقابل اتجاه القوى من خارج قزوين بشأن مصير المنطقة فإن تسوية الوضع القانوني لبحر قزوين يمكن أن تنعكس إيجابا على مستقبل التعاون بين هذه المنطقة وتوأمها النفطي ـ منطقة الخليج.

وربما سيعود الحديث إلى المشروع الذي طالما طرح مرارا بشق قناة في إيران تربط بين بحر قزوين والخليج. ولأول مرة في تاريخ الاقتصاد العالمي سيؤمن هذا الشريان لروسيا وعدد من الدول طريقا مباشرا، هو الأقصر، إلى مياه الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي دون المرور بمضائق البحر الأسود وبحر إيجه،

حيث تشدد تركيا من جانب واحد أنظمتها على عبور الناقلات، ودون المرور بقناة السويس. وكان ذلك سيختصر رحلات الشحن من روسيا إلى الهند وباكستان، حسب التقديرات، من 45 إلى 20 يوما.

وكانت كل من روسيا، إيران، الهند وعمان قد أبدت اهتمامها بهذا المشروع الذي أطلق عليه «شمال ـ جنوب». بهذا يصبح طريق التجارة بين بلدان قزوين ـ الخليج ـ المحيط الهند طريقا للسلم والتعاون من أجل التنمية بدلا من النزاعات والحروب.

كاتب بحريني