أخبار الساحة اللبنانية، عشية انعقاد جلسة البرلمان الثانية ـ غداً الثلاثاء ـ لانتخاب رئيس جمهورية جديد، لها نكهة تحرض على الاستبشار بإمكانية كسر جليد الأزمة. وكأنها تحمل في طياتها خيط ضوء، ولو خافت، يشير إلى هذا الاحتمال.
طبعاً لا يعني ذلك ان الانتخاب حاصل في جلسة الغد. كما لا يعني بالضرورة ان الاستحقاق الرئاسي سائر في طريق حصوله ضمن المهلة الدستورية؛ التي تنتهي في 24 نوفمبر القادم. تعقيدات الوضع اللبناني وتداخلاته؛ فضلاً عن توسع الفجوة بين أطرافه، لا تسمح بمثل هذا التوقع. كذلك فإن السوابق تفرض التحفظ الشديد.
عديدة المرات التي هبطت فيها سخونة هذه الأزمة ولاحت بوادر فتح فجوة في جدارها؛ لتعود فجأة درجة الحرارة إلى الارتفاع وتأخذ بطريقها كل الآمال والمراهنات، فتعود الأمور إلى المربع الأول.
لكن مع ذلك ثمة ما يدعو إلى الإطلالة، بشيء من التفاؤل، على المشهد اللبناني. أو على الأقل، إلى عدم استبعاد انكشاح غيوم العاصفة من سماء لبنان؛ قبل انقضاء المهلة الدستورية فهذه المرة بات عامل الزمن ضاغطاً.
شراء الوقت وحرقه صار لعبة خطيرة. المضي فيها يفضي إلى فراغ في الحكم؛ مفتوح على أبعد وأخطر بكثير من المراحل وحقول الألغام التي مر فيها البلد؛ على امتداد السنوات الثلاث الماضية.
وهذا بحد ذاته من شأنه أن يحمل اللبنانيين على تهيب اللحظة واجتناب المجازفة والمغامرة أو في أقله، هكذا يفترض أن يكون عليه الحال. ثم تضافر مع ضغط الوقت وواكبه، حراك داخلي وخارجي؛ كشف عن علامات حلحلة؛ في الخطاب والشروط؛ فضلاً عن درجة ملحوظة من التجاوب مع المساعي والوساطات.
وقد انعكس ذلك في الأجواء التي حرص على اشاعتها، لاعبون ووسطاء، مطلعون على مجرى الأمور ولم يسبق لهم أن تحدثوا بلغة ذات نكهة تطمينية، كما فعلوا في اليومين الأخيرين.
وفد الترويكا الأوروبية، وزراء خارجية فرنسا وإيطاليا واسبانيا، تعمد في مؤتمره الصحافي قبل مغادرته بيروت مساء أمس الأول؛ على الإيحاء بوجود مناخ من الليونة المطلوبة وربما الواعدة. تعزز هذا الاعتقاد باللقاء المشترك لكافة الأطراف حول طاولة مع الترويكا.
وأخذ ذلك شحنة من التفاؤل عندما تم التوافق، حسب ما تسرب بين اللبنانيين المجتمعين على تأجيل عقد جلسة البرلمان غداً؛ ريثما تنتهي المشاورات واللقاءات والمداولات التي دخلت مرحلة غربلة مواصفات واسم الرئيس التوافقي.
وما أضفى على هذه الأجواء مسحة من الإيجابية الملفتة وغير المسبوقة، كان كلام رئيس المجلس النيابي وصاحب مبادرة الرئيس التوافقي، نبيه بري الذي تحدث بلغة الجزم والتوكيد عندما قال ان «التوافق آت حتماً آتٍ». وكرر كلامه هذا علناً.
الأمر الذي أعطى التحركات الجارية بعداً تطمينياً خاصاً. لاسيما وأنه ينطق بهذه اللهجة لأول مرة ووسط تراجع لغة التراشق فجأة وطغيان عبارة «التوافق» على مجمل الردود والمساعي.
ليس سراً ان الوضع اللبناني سريع العطب. وهو لم يغادر هذا الموقع بعد. كما ليس سراً أنه يتأثر بظروف ومعطيات خارجية متنوعة. وهي ظروف ساخنة ومرشحة لتشهد تطورات نوعية في أية لحظة.
من هنا الخطر الذي يرافق عبور لبنان ممر المهلة الدستورية. لكنه خطر يعود إلى اللبنانيين تحديده والعمل على اجتنابه. فتطوير الحلحلة الجارية إلى حل هو مسؤولية لبنانية بالرغم من كل الاعتبارات المعروفة.
