تلعب الأعمال الدرامية التاريخية التي تقدمها الشاشة الصغيرة من وقت لآخر دوراً لا بأس به في إثارة الجدل والنقاش العام حول بعض القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بحياة الناس خلال فترة زمنية معينة، بما يعطي لمحة لصراعات وأزمات لا يمكن فصل خيوطها عن الواقع المعاش.

وفي خضم الحشد الهائل من المسلسلات التي قدمها التلفاز خلال شهر رمضان الفائت وقف العديد من الكتاب والمتابعين أمام «الملك فاروق» الذي حظي بميزانية ضخمة مكنته من الاستعانة بفريق من الممثلين والفنيين الذين بذلوا جهداً ملموساً حتى يخرج العمل على أفضل صورة.

لكن بعيداً عن الجوانب الفنية، وهي ليست فوق النقد على كل حال، كانت الرسالة التي قدمها المسلسل الأكثر إثارة للجدل والخلاف، خاصة وإنها اعتمدت بالأساس على القيام بعملية غسيل لشخصيات حكمت عليهم أعمالهم بالذهاب إلى مزابل التاريخ.

بمن فيهم الملك فاروق نفسه الذي أعاد صناع المسلسل تقديمه بطريقة تضمن تعاطف المشاهدين الذين لم يعاصر غالبيتهم الفترة التاريخية التي جلس فيها على عرش المملكة المصرية، قبل أن تطيح به ثورة يوليو 1952، كعنوان على نهاية حقبة تاريخية ليست في مصر وحدها ولكن في المنطقة العربية.

الوقائع التاريخية الملتهبة خلال الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي، جرى توظيفها في العمل بما يخدم ملك صغير السن، تتربص به المؤامرات من كل جانب، بحيث يبدو بريئاً، وضحية لكل المحيطين به، إلا نفسه الحائرة، التي تتنازعها الرغبات المتناقضة أحيانا. فمن أم متسلطة عانت قسوة معاملة الأب كبير السن، وسجن القصور، إلى حاشية لا تعرف إلا الدسائس، مروراً بأحزاب متكالبة على كرسي السلطة، ولم يبق إلا اتهام الشعب بالجحود لملك محبوب!

تلك كانت الرسالة التي سعى صناع مسلسل فاروق ترويجها وسط أناس ربما لم يعاصر آباؤهم حقبة تاريخية كانت المشروعات القومية فيها تتجسد في حملات لجمع القروش من أجل شراء نعال لشعب من الحفاة، فيما جلالة الفاروق المعظم يلهو على موائد القمار، ولا يتورع عن ارتياد الغرز والخمارات، بدعوى الترويح عن النفس والتخفف من ضغوط الحكم، غير مبال بالعواقب على عرشه ومملكته!

اختار أصحاب «الملك فاروق» التركيز في العمل على القصور الفخمة، والحدائق الغناء، والملابس التي يرفل فيها الشاب المدلل خارج السياق العام لشعب قابع تحت الاحتلال البريطاني الذي جلبه أجداده، وفضلت كاتبة السيناريو استعراض حياة الترف لملك وحاشية في لقطات موحية تقول هذا زمانهم فأين زمانكم؟ على حساب العراة في الحقول والجوعى في الحارات، والفقراء الذين كانت تفتك بهم الأمراض، هؤلاء لم يكن لهم نصيب من المشهد التجميلي لحقبة مزرية من تاريخ مصر.

قد يقول البعض إن المسلسل قدم حقائق تاريخية، ولم يحرف واقعة موثقة . لكن الرد سهل وميسور، فالتاريخ حمال أوجه.. وقل ماذا تريد أن تقدم من رسالة، حتى أوفر لك من التاريخ ذاته ما يدعم وجهة نظرك ونقيضها!.

فإذا أردت تجميل القبيح ستجد من الأوراق والسجلات ما يؤيدك، وإذا رغبت في إهالة التراب على صفحات ناصعة وشخصيات لامعة، يمكنك الحصول على الأدلة والبراهين التي تقف إلى صفك. هي لعبة اختيار، والقائم عليها ليس منزهاً عن الهوى، حتى وإن استعان بكبار المؤرخين لإضفاء العلمية والحياد المكذوب.

وهي اللعبة التي صنعت من فاروق مظلوماً، وقدمته في اهاب الوطني الغيور على وطنه والساعي إلى التحالف مع الشيطان من أجل نيل استقلاله في فترة تاريخية حرجة كانت الكلمة الأولى فيها للسفير البريطاني قبل غيره، وهي مجرد بهارات للفت الأنظار بعيداً عن انهماك فاروق في ممارسات أقل ما توصف بالفساد.