لا أعرف كم من الوقت سوف يحتاج ملايين المشاهدين لكي يستعيدوا بعض توازنهم بعد موسم رمضان الذي تحول من شهر للصوم والعبادات إلى سباق محموم يجلس فيه الملايين أمام شاشات التلفزيون ومعهم أجهزة «الريموت كنترول» يحاولون من خلالها متابعة هذا الطوفان من المسلسلات التلفزيونية التي تم حشدها في هذا الشهر الكريم ليصبح الأمر فوق الطاقة..
طاقة المشاهد على المتابعة، وطاقة المحطات التلفزيونية على البث، وطاقة أصحاب العقول في محاولة فهم إنفاق ما يقرب من مليار جنيه في إنتاج هذه المسلسلات لتعرض في شهر واحد يفترض فيه أن يكون شهراً للعبادة والعمل ودرساً في التقشف ودعوة لإعمال العقل في شؤون الأمة بدلاً من تغييبه في متابعة مسلسلات أقل القليل منها يستحق المشاهدة.
وأكثرها لا يستحق أن يكون سهرة تلفزيونية في ساعة واحدة، فإذا به يتحول ـ لأسباب تجارية بحتة ـ إلى ثلاثين حلقة، هذا إذا اكتفى أصحابه بجزء واحد ولم يتحفونا بأجزاء تالية تحشد لها النجوم وتنفق الملايين ولا تفعل شيئاً إلا إهدار الوقت والجهد والهروب من واقع يحاول الجميع الهروب منه.
هذا يعني بالطبع انه لا توجد أعمال تستحق المشاهدة، أو أننا يجب أن نبتعد عن مشاهدة الأعمال الفنية في رمضان أو غير رمضان، ولكن ما نقصده أن الإسراف في هذا الأمر أصبح ظاهرة مرضية، وأن إهدار كل هذه الأموال في مسلسلات للاستهلاك في شهر رمضان هو أمر غير طبيعي في أمة تعاني من ظروفنا.
وأن تحويل الملايين إلى كائنات ترابط نصف يومها أمام شاشات التلفزيون لمتابعة هذا الطوفان من المسلسلات هو إهدار لطاقات البشر. أما من الناحية الفنية فرغم بعض النجاح الذي حققه عدد قليل من هذه المسلسلات، فإن الحقيقة التي يكشف عنها الموسم الأكبر لهذه المسلسلات هي أن هناك تراجعاً في الدراما التلفزيونية العربية، وأن النزعة التجارية تسود، وشركات الإعلان تفرض شروطها، وأن القيمة الفنية تتراجع إلى حد كبير.
وبالطبع ـ كما قلنا ـ هناك مسلسلات نجحت، وهناك نجوم لمعت، ولكننا نتوقف هنا عند الضجة التي أثارها مسلسل «الملك فاروق» والذي تناول سيرة ملك مصر الذي أطاحت به ثورة يوليو 1952 وأجبرته على التنازل عن عرشه لابنه الطفل ليتم بعد شهور إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية.
والمسلسل ظهر بصورة متميزة وتم توفير كل الإمكانيات المادية والإنفاق عليه ببذخ، كما توافرت له العوامل الفنية الجيدة ليقدم صورة لفاروق تختلف عن الصورة التي حفظها له التاريخ باعتباره ملكاً فاسداً استحق مصيره. فإذا بالمسلسل يقدمه بصورة أخرى تحاول كسب تعاطف المشاهد معه باعتباره رجلاً وطنياً صالحاً ومناضلاً من اجل مصر وشعبها، ومنحازاً إلى الديمقراطية، وحريصاً على العدالة، ومقاتلا من اجل الاستقلال!
ولا أحد يصادر على حق أي مبدع في أن يقدم رؤيته الخاصة في أي عمل درامي حول شخصية من الشخصيات، وقد رأينا أفلاما عديدة عن شخصية مثل نابليون على سبيل المثال، بعضها ينحاز له وبعضها ينحاز ضده، بل ورأينا أفلاما مختلفة عن السيد المسيح قدمه بعضها وكأنه «كاوبوي» في فيلم من أفلام رعاة البقر، وقدمه بعضها الآخر في صور أجمل بكثير أو أسوأ بكثير!
لا أحد يصادر على حق «المبدع» في أن يقدم رؤيته «الفنية» لأي شخصية تاريخية لكن الأمر يبقى عند حدود الرؤية الإبداعية، والمشكلة مع مسلسل «الملك فاروق» أن البعض يريد تقديمه على أنه «الحقيقة التاريخية» وأن مؤلفته تجلس أمام الكاميرات لتتحدث عن ثورة تصحيح لتاريخ مصر، وأن البعض ـ لأسباب سياسية ـ يريدون تحويل العمل الدرامي إلى «هوجة» سياسية تتغنى في محاسن فاروق «الذي تعرض للتشويه على يد ثورة يوليو».. وكان فاروق ـ بعد كل ما ارتكبه من فضائح وآثام ـ كان يحتاج لأي تشويه!!
فاروق كان مأساة كاملة.. تولى العرش قبل أن يبلغ سن الرشد بعد وفاة أبيه الذي كان يدين بالولاء الكامل للمحتل البريطاني الذي جاء به إلى العرش والذي ارتكب الآثام وهو يخوض معركة طويلة ضد الحركة الوطنية بزعامة الوفد والذي بدأ حكمه فقيراً مفلساً فتحول إلى أغنى الملاك بعد أن استولى على ما استطاع من أراضي مصر الزراعية، والذي تحول إلى محتكر للسلطة معاد للدستور.
ومن هنا كان ارتياح الشعب لرحيل الأب، والترحيب الكبير بالملك الشاب الذي خرجت الجماهير لاستقباله عند عودته من الخارج لتولي الحكم وسط موجة من التفاؤل بان الملك الشاب سيتعلم الدرس وسينحاز للحركة الوطنية وسيتحالف مع حزب الأغلبية في كفاحه من أجل الاستقلال والديمقراطية.
وبدأت مأساة فاروق على الفور حين أوعز له مستشاروه أن يستغل مظاهرة الحب التي استقبلته ليتم تنصيبه خليفة للمسلمين لا ملكا دستوريا لمصر، وهو ما رفضه بإصرار حزب الوفد وزعيمه النحاس باشا، وخسر فاروق المعركة ولكنه لم يفقد حلمه الطفولي، وبدأ مرحلة طويلة من الانتقام ومن الصراع ضد الحركة الوطنية ومن الإصرار على أن يكون حاكماً بأمر الله، ووجد فاروق من يغذي فيه كل هذه الأحلام انتقاما من الوفد وانحيازا إلى المحتل البريطاني.
وكانت النتيجة أن خاب الحلم سريعاً في الملك الشاب الذي تحول إلى عابث بالدستور وطامح للسلطة الديكتاتورية ومناهض للحركة الوطنية. وهكذا بعد خمسة شهور فقط من تنصيبه قام فاروق بإقالة حكومة الأغلبية وبدأ عصراً من الحكم المطلق معتمداً على أحزاب الأقلية ضد إرادة الشعب، وارتكب كل الأخطاء السياسية والشخصية.
وقاد مصر إلى الكثير من الكوارث من حادث 4 فبراير 42، إلى هزيمة فلسطين 48، إلى حريق القاهرة عام 52 والذي سبق ثورة يوليو بشهور. ولم يكن سقوطه يومها مفاجأة كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ والسياسي البارز قبل الثورة وصاحب واحدة من أهم المذكرات السياسية عن هذه الفترة عن فاروق:
«.. وفي عيد ميلاده السادس والعشرين سقط جلالته وعرشه مهما تأخر الخلع لبعض الوقت ».. ولم يتأخر الخلع كثيراً، فبعد ست سنوات كان فاروق يرحل مطروداً من مصر بعد أن تحالف الجميع ضده، وبعد أن تحالفت أيضا مباذله الشخصية مع أخطائه السياسية لتجعل من يوم رحيله عيداً لمصر كلها التي كانت قد استقبلته قبل سنوات بالحب والأمل.
كان فاروق ـ بعد فشل زواجه الأول ـ قد أصبح ضيفاً على حفلات الأميرة شويكار زوجة أبيه السابقة، وهناك كانت تتم الصفقات المشبوهة والعلاقات الماجنة، وهناك تعرف على امرأتين كان لهما تأثير في حياته الأولى «هيلين موصيري» التي وصفها السفير البريطاني بأنها قوادة شهيرة تعمل لحساب الأجهزة الصهيونية. والثانية «ليليان كوهين» العميلة المحترفة للموساد والتي اعتقلتها أجهزة الأمن المصرية ولكنه أمر بالإفراج فورا عنها، وأخفاها في المزارع الملكية بأنشاص !!
وأصبحت فضائح الملك على كل لسان.. كانت الوزارات تؤلف على موائد القمار، وأمور الدولة تدار من النوادي الليلية، والنهب للثروة والسلطة يقرب النهاية، وفضائح الأم والأخوات تزيد مأساته، وكانت أخبار فضائحه مادة دائمة في الصحف الأجنبية رغم جهود الحكومة البريطانية للتعتيم عليها حماية لمصالحها في مصر.
وعندما بدأت هذه الأخبار تتسرب للصحف المصرية وسط مناخ الاحتقان الوطني في هذه الفترة، حاولت حكومة الوفد الأخيرة والتي كانت تمر بفترة تهادن مع الملك أن تصدر تشريعات لمنع الصحف من نشر حقيقة ما يرتكبه الملك من مباذل، وكانت معركة كبيرة من معارك الحرية سقطت في نهايتها مشروعات القوانين المقيدة للحرية.
ووسط هذا كله ارتفعت كلمات شيخ الأزهر يومها تعليقاً على فضائح فاروق في أوروبا حين قال: «أتقتير هنا وإسراف هناك» وكانت النتيجة ان وقع فاروق مرسوم عزله من كابري في إيطاليا حيث كان يقضي وقته وسط الغانيات وعلى موائد القمار.
وبينما كانت الحركة الوطنية تتصاعد والمقاومة المسلحة للاحتلال تشتد بعد قرار حكومة الوفد بإلغاء معاهدة 36، كان فاروق في الصف الآخر يتآمر مع الإنجليز، ومع حريق القاهرة في يناير 52 كانت النهاية تنتظر التوقيت، وبعد إقالة حكومة الوفد بدأت فترة دراماتيكية من التخبط غير المعقول، وتعاقب تأليف وزارات الأقلية وسقوطها.
وكانت محاولة الملك الأخيرة لنقل الولاء للأميركان لكن زمام الأمور كان قد أفلت، وكان السقوط المتوقع مع ثورة يوليو، والرحيل إلى المجهول الذي كان قد استعد له بتحويل جزء كبير من ثروته لكن مفاجأة أخرى كانت في انتظاره، ونترك الرواية هنا لواحد من أقرب الناس إليه وهو مرتضى المراغي آخر وزير للداخلية قبل الثورة، وابن شيخ الأزهر الذي أراد أن يعقد له البيعة لخليفة المسلمين وليس كملك دستوري.
يقول المراغي: «ذهب فاروق وتخلى عن العرش لأنه كان لا يعرف كيف يصونه كما صانه والده بالصبر والجلد وتتبع مجريات الأمور بعين حذرة بعيدة، أما ابنه فكان لاهياً عن كل شيء إلا طمعه وملذاته مستهترا بكل شيء إلا حب المال وحب الميسر».
ويصف المراغي كيف كان فاروق يتظاهر بالقوة والجبروت ثم كيف خارت قواه وانهار فور قيام الثورة.. ويقول المراغي: «كان يريد الفرار بأي ثمن.. يريد أن ينجو بجلده ورقبته ويحقق الرغبة التي طالما عاشت في صدره، وهى أن يترك مصر ليعيش في الخارج.
ومن سخرية القدر أنه أراد أن يصحب معه خازن ماله الإيطالي الذي كان يعرف كل شيء عن مال فاروق ولكن الثورة قبضت على بوللي وخرج فاروق بدونه ووصل إلى أوروبا، وكانت المفاجأة المذهلة له أن أكثر المال في مصارف أوروبا كان مودعاً باسم خازن المال لا باسم فاروق».
هذه بعض صفحات من تاريخ فاروق ومأساته. تاريخ لم يشوهه أحد لأنه لم يكن يحتاج إلى تشويه. فالرجل ارتكب كل الأخطاء والخطايا التي أضاعت ملكا كان يستطيع أن يحافظ عليه لو أنه تحالف مع الحركة الوطنية وتفرغ للحكم الرشيد بدلا من ارتكابه المباذل والفضائح والعبث بالدستور واغتيال الوطنيين عن طريق الحرس الحديدي والغرق في الفساد بينما الشعب يواجه الاحتلال ويعاني الفقر والجهل والمرض. هذا هو التاريخ.
أما الدراما فلها كل الحرية في أن تقول ما تشاء وأن تقدم رؤيتها الخاصة، بشرط ألا يصدع أصحابها رؤوسنا بالحديث عن رد الاعتبار وتصحيح التاريخ. وهى مهمة لا يمكن أن تخضع لنزوات المبدعين ولا لرغبات شركات الإنتاج الفني بأي حال من الأحوال !!
نقيب الصحافيين المصريين