أن يحصل المرشح السابق للرئاسة الأميركية ونائب الرئيس كلينتون آل غورعلى جائزة نوبل للسلام متقاسماً هذه الجائزة مع لجنة التعاون المناخي في الأمم المتحدة يحمل معاني عديدة وقد فتح نقاشات وحوارات وترك انعكاسات على الصعيدين الأميركي والدولي:
أولا، أنها المرة الأولى التي تمنح فيها جائزة نوبل للسلام لقضية بدت بالنسبة للكثيرين بعيدة عن التأثير المباشر والملموس على قضايا الأمن والسلم الدوليين، إذ اعتبر الكثيرون أو تعامل هؤلاء مع مشكلة البيئة ومخاطر الاحتباس الحراري والتغييرات المناخية وكأنها قضية هامشية أو مجرد قضية «أكاديمية» دون تداعيات مباشرة أو آنية على البشر.
وتعامل معها هؤلاء وكأنها مسألة ترف فكري أو موضوع يكفي أن توقع اتفاقية بشأنه (بروتوكول كيوتو للاحتباس الحراري) ليترك جانبا بعد ذلك مثل الكثير من الاتفاقيات الموجودة على الرف والتي لا تمثل عملية وضعها موضع التنفيذ أهمية قصوى.
وللتذكير فقط يحذر الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان من مخاطر التعامل مع التغيير المناخي وكأنه مشكلة تخص المستقبل البعيد وبعض المنظمات والهيئات المتخصصة محذراً من المخاطر التي تحملها هذه المسألة إذا لم يتم التعامل معها بنجاح، على العالم وتحديداً على افريقيا وآسيا.
فهذه المسألة تحمل نتائج خطيرة فيما يتعلق بالجفاف والفيضانات وغيرها من الحالات المناخية ذات التأثير المباشر على الاقتصاد وخاصة على الاقتصاد الزراعي وعلى الاجتماع وبالتالي على السياسة والنزاعات في الدول النامية أو الأقل نموا.
ويحذر رئيس لجنة التعاون المناخي في الأمم المتحدة وهي اللجنة التي تقاسمت جائزة نوبل مع آل غور من أن عدم النجاح في التعامل مع مخاطر التغيير المناخي سيهدد مصادر المياه لحوالي 200 مليون إنسان في إفريقيا حتى عام 2020 وسيهدد بشكل خاص مشكلة الزراعة.
وسيزيد من احتمالات الصراعات الداخلية والخارجية حول مصادر المياه. كل ذلك أيضا يصب في خلق الظروف الضاغطة لمزيد من النزوح الداخلي وللهجرة في كافة أنواعها.
ثانيا، أدت الجائزة إلى إعادة إدخال اسم آل غور في معركة الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة بسبب خلفية حائز الجائزة الذي كان يتهكم عليه بعض الجمهوريين منذ أكثر من 20عاما لأنه (رجل الأوزون)،
ولأن الجائزة أعطيت في لحظة اشتداد المعركة الانتخابية الرئاسية وقد صدرت العديد من الأصوات مطالبة بترشيح غور للرئاسة خاصة وأن عددا من استفتاءات الرأي العام في الحزب الديمقراطي تدل على أن آل غور يحل في المرتبة الثالثة من بين المرشحين الديمقراطيين بعد هيلاري كلينتون وباراك اوباما.
وفي السياق ذاته تعرض صاحب الجائزة لهجوم عنيف من صحيفة الوول ستريت جورنال المحافظة وصار مادة لمعركة افتتاحيات في الصحف الأميركية.
ثالثا، تأتي هذه الجائزة لتلقي الضوء على أميركا سياسية أخرى بعيدة أو نقيضة «لأميركا الأحادية الحادة» التي تمثلها سياسة الرئيس بوش وهي سياسة تتعرض لهجوم كبير عليها من مواقع سياسية مختلفة ومن ضمن الحزب الجمهوري أيضا في الولايات المتحدة كما تتعرض لمعارضة قوية وشديدة أيضا من مواقع مختلفة في العالم كما يذكر بذلك بشكل خاص زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق في إدارة الرئيس كارتر.
وقد فرضت الجائزة بقوة حوارا أميركيا حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة وحول عدم اكتراثها بالعديد من القضايا الدولية التي تمثل قضايا تضامن دولي والتي تستدعي عادة مقاربة متعددة الأطراف كما تستدعي دورا ناشطا للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
وتتصدر معارضة الولايات المتحدة لبروتوكول كيوتو الأمثلة على هذه السياسة خاصة ان المفاوضات قد بدأت في العالم حول اتفاقية جديدة، وتشمل هذه المفاوضات حوالي 180 دولة للبحث في بلورة بروتوكول جديد يرث بروتوكول كيوتو الذي ينتهي مفعول العمل به عام 2012.
وسيعقد في هذا الإطار مؤتمر للأمم المتحدة حول التغيير المناخي في بالي في مطلع ديسمبر القادم. ولا يفي المؤتمر الذي عقده الرئيس بوش الشهر الماضي حول قضايا الاحتباس الحراري في واشنطن لاعطائه شرعية من حيث اهتمامه بهذه المسألة علما أن هذا المؤتمر لم يخرج بقرارات حازمة وواضحة واعتبر انه يمثل وعيا متأخرا ومترددا وغير كاف من حيث الاهتمام بهذه القضايا.
خاصة ان الرئيس بوش رفض وضع التزامات وأهداف محددة من اجل معالجة هذه المسألة الضاغطة مما سمح أو ساعد كلا من الصين الشعبية وعددا من الدول الأخرى على التهرب من التزاماتها في هذا المجال.
رابعا، قد يرى البعض، من مسؤولين وأطراف غير حكومية وقوى اجتماعية وسياسية مختلفة في العالم النامي الغارق في نزاعات عديدة بشكل مباشر أو الذي يتعرض لنزاعات من النوع الكلاسيكي العسكري والأمني، إن قضايا البيئة ليست داهمة بخطورتها وبالتالي يمكن تأجيلها أو تلافي الاهتمام بها بشكل مباشر.
ولكنها في حقيقة الأمر ليس اقل خطورة من المصادر التقليدية للخطر، فإنها لو استفحلت لأصبح من الصعب التعامل معها ومع نتائجها لاحقا باعتبار وهنا المفارقة أن مصدر الخطر الناتج عنها لن تكون أطراف يمكن ردعها أو إحداث تسوية معها عبر مفاوضات أو ضغوطات ولكن ستكون وضعا بيئيا بالمفهوم العام للبيئة يشكل مصدرا هيكليا لإفراز النزاعات بأوجه مختلفة ولتعميق وتعزيز نزاعات قائمة.
خامسا، لأن الولايات المتحدة هي القوة العالمية الأولى وليس بالضرورة القوة الفائقة التي تحدد وحدها أجندة الأولويات الدولية وكيفية التعامل معها ولكنها تبقى القوة الأكثر تأثيرا إيجابا وسلبا في تحديد هذه الأجندة وكيفية التعامل مع المسائل الموجودة عليها فان العالم ينظر إلى القضايا الأميركية الداخلية، صراع الأولويات والخيارات الداخلية والخارجية.
باعتبارها قضايا عالمية على الأقل من حيث تداعياتها، وبالتالي كما تدل تجارب عديدة بالأمس واليوم فان على الولايات المتحدة إذا ما أرادت أن تحافظ على مكانة الطرف القيادي وليس الوحيد بالطبع في نظام عالمي يتشكل فان عليها أن تتعامل مع القضايا العالمية من منظور يختلف عن المنظور القائم حاليا.
هذه هي أهم رسائل جائزة السلام... البيئي، وهي رسالة تقول إن هنالك مصادر عديدة بعضها شبه مخفي وبعضها بعيد يهدد السلم العالمي وان المطلوب دبلوماسية تضامنية متعددة الأطراف ودبلوماسية استباقية ووقائية لمعالجة هذه المسائل.
كاتب لبناني