«غوغل» هي الشفرة والمفتاح السحري الجديد الذي يفتح في وجهك أبواب قصور المعرفة وكل أسرار الكوكب الأرضي بمحيطاته وبحاره وقاراته الخمس وصحاريه وأدغاله ويوصلك إلى حد بيتك ويكشف لك ما تخبئه الدول عنك من ثكنات ومطارات ومحطات إطلاق الصواريخ والمولدات النووية.
وبنقرة كليك أخرى تدخل عالم الموسيقى وتقرأ الكتب النادرة وتزور المتاحف وتتواصل مع الناس في جميع أنحاء المعمورة الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم، كما أنك تشتري ما تحتاجه من تذكرة الطائرة إلى معجون الأسنان. ويمكنك أن ترسل باقة زهور (حقيقية أو افتراضية) إلى من تحب في مصر أو كندا أو بيرمانيا، ثم انك تشاهد أفلام السينما.
و تحضر عرضا للأزياء وتتابع من مكتبك أنباء الدنيا من كل الأشكال والألوان وتطالع صحف جميع اللغات وتترجم ما تشاء من العبارات إلى لغتك الأم، وإذا سئمت فانك تلعب مع منافسين حقيقيين أو تكنولوجيين كل أصناف اللعب من الشطرنج إلى الحرب. انه غوغل!
هذا الشبح العملاق الذي يشكل ثالث أكبر محرك بحث على الشبكة العنكبوتية بعد محرك ماي سباس ومحرك ياهو وقد ولد غوغل من خيال شابين أميركيين (لاري باج وسارجاي برين) عام 1997 عندما كانا زميلين على مقاعد جامعة ستانفورد وانطلق عام 1998 بتمويل خاص حصل عليه الشابان بلغ 25 مليون دولار وفي سنة 2001 تم تعيين مدير عام له وهو الشاب الثالث ايريك شميدت واقتحم المحرك عام 2004 حصن بورصة نيويورك برأس مال بلغ 23 مليار دولار وهو اليوم يشغل 13500 مهندس وفني في كل أرجاء العالم.
يبدو غوغل في عصرنا الراهن مغامرة عجيبة بدأت فكرة في رأسين لطالبين من جامعة ستانفورد وانتهت إلى عملاق يشكل أضخم سوق إعلانية عالمية ولكن لا بد أن نتساءل لماذا ينجح شباب من الولايات المتحدة الأميركية في سن أبنائنا ولا يتفوق شاب عربي في تحقيق ما يشبه المعجزات بينما يعيش جميعهم نفس العصر ويتفاعلون مع نفس التقنيات العالية؟
خاصة إذا ما عرفنا بأن الشابين الأميركيين (لاري باج وسارجاي برين) كما أكد لنا ذلك الخبير الفرنسي (فرنسوا ديليتراز) في العدد الأخير من مجلة (لوفيجارو ماغازين) اهتديا إلى إبداع محرك (غوغل) باستعمال النظرية العربية في الرياضيات المعروفة هنا باسم (اللوخارزم) أو (اللوغاريتم) وهو الاشتقاق الثابت لعالم الرياضيات المسلم (الخوارزمي).
محمد بن مسلم الخوارزمي المولود ببغداد عام 815 م في عهد الخليفة المأمون والذي اكتشف وطور علم الكسور في الحساب والهندسة وهو العلم الذي أخذ عنه مباشرة العالم (كنوث) طريقة تطويع المعلوماتية وتحويلها إلى برمجيات ومنها جاء الكمبيوتر وبالطبع جاءت أيضاً شبكة انترنت!
فما هو السر الكامن وراء توفيق الشابين الأميركيين في اغتنام تراث الرياضيات العربية المكتوب في الأصل باللسان العربي المبين وإخفاق الشباب العربي من المحيط إلى الخليج في تحقيق نفس المغامرة؟ كيف ارتبطت الصلة المعرفية بين شباب أميركي معاصر يعيش في القرن الحادي والعشرين وتراث عربي إسلامي من القرن التاسع؟! بينما انقطعت صلة شبابنا العربي المسلم بتراثهم العلمي العقلاني وانحصرت في العلاقة بالمقدس وهو جزء من كل؟
يجب الإقرار بأن لدينا في العالم العربي الإسلامي خللا عظيما لا بد أن نعالجه بأبعد من الخطب وأكبر من الشعارات وأعمق من الترقيع ! بل لا أتردد في القول بأن بعض شباب العالم العربي لديه إمكانات مادية أوفر وحظوظ من الذكاء لا تقل عن شباب الغرب!
الجواب هو في نوعية ومستوى برامج التربية التي يتلقاها الشاب الأميركي والشاب العربي منذ الحضانة إلى التعليم العالي. فقد انفجرت فلسفة التربية والتعليم في الغرب واليابان والولايات المتحدة منذ الستينات من القرن العشرين بفضل مفكرين ومربين تحلوا بالجرأة والمعرفة والخيال وثوروا العملية التعليمية تثويرا جذريا بحيث ألغوا مبدأ التلقين البارد للمعرفة ليجعلوا من الطالب هو المبتكر بدون عقد والباحث بدون مركبات والطموح بدون خجل والواضع لكل شيء موضع الشك. بينما ظل تعليمنا في العالم العربي عملية توريث المخزون الثقافي المكرر بنية طيبة وهي تخريج جيل متأصل.
لكن الذي حدث هو أن مدارسنا عوضاً عن أن تفجر العبقريات تحولت إلى مصانع للعاطلين وأنصاف الجهلة وتفاقم المشكل إلى أن أصبحت دولنا تعاني من بطالة الشباب خريجي الجامعات لأننا لم نلائم بين حاجات التنمية في بلداننا وبين التخريج! ولا بين متطلبات العصر الحديث ومستحقات التكوين والتدريب.
ولم نجسر العلاقات العلمية والعملية الحميمة الضرورية بين المجتمع ومؤسساته وجامعاته، وبلغ الأمر بأقسام الرياضيات والعلوم في جامعاتنا العربية حد إطلاق اسم (اللوغاريتم) على منهجية (الخوارزميات) كأنما مسخنا مسخا عجيبا لنصبح مقلدين للغرب حتى في علوم كنا نحن السباقين إليها.
رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس