التنازع حول اقتسام المناصب الوزارية على مستوى الحكم المركزي كان باكورة الخلافات السلطوية بين «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية» الجنوبية - وخاصة حول الحقائب السيادية كوزارات الطاقة والمالية والخارجية وبعد ذلك وعلى مدى أكثر من عامين ونصف العام من بدء تطبيق اتفاق نيفاشا للسلام نشأت على التوالي نزاعات أخرى إلى أن تحول الخلاف إلى مستوى أزمة شاملة وخطيرة كما رأينا راهنا.

الأزمة الحالية قد تتلاشى نسبيا.. أو حتى كليا لكنها تظل مرشحة للتكرار وربما بصورة اشد حدة طالما بقي جوهر اتفاق نيفاشا على ما هو عليه منذ لحظة إبرامه كمعادلة محدودة ذات توجه ثنائي ضيق.

الاتفاق لم يرسم أصلا كتوافق موضوعي بين شمال السودان وجنوبه وإنما جرى التفاوض عليه وصياغة كل بند من بنود بروتوكولاته على أساس استرضاء تطلعات ذاتية حزبية لحزبين - احدهما شمالي والآخر جنوبي - ليس بإمكان أي منهما أن يدعي انه يمثل بحق غالبية شعب الشمال أو غالبية شعب الجنوب. فالمؤتمر الوطني حزب أقلية إيديولوجية فرض وجوده على السلطة العليا بوسيلة انقلابية بينما الحركة الشعبية ليست سوى ميليشيا تمثل قبيلة جنوبية واحدة.

هذا هو جوهر العيب في اتفاق السلام ولذا فهو عيب هيكلي جذري لا يمكن التغلب عليه إلا باجراء هيكلي. بموافقة قيادة المؤتمر الوطني وجون قرنق قائد الحركة الجنوبية عمدت الولايات المتحدة، الراعي الأكبر لمفاوضات كينيا، إلى إقصاء القوى الرئيسية في الشمال والقوى القبلية في الجنوب باستثناء قبيلة الدينكا التي تمثلها الحركة عن العملية التفاوضية.

لقد فرضت واشنطن هذا الترتيب انطلاقاً من اعتبارات إستراتيجيتها الثابتة وسياستها تجاه مصير السودان. وعلى هذا المنوال فإنها لم ترتب الأمر التفاوضي كوسيط حيادي بين طرفي التفاوض وإنما كطرف ثالث منحاز لحركة قرنق. وبمقتضى هذا الترتيب كان إقصاء الأحزاب الشمالية الكبيرة من أجل إضعاف الموقف التفاوضي للمؤتمر الوطني حتى يسهل الضغط عليه لحمله على تنازلات تحقق مصالح للجنوب على حساب أهل الشمال.

وهذا التوجه الأميركي لم ينشأ من فراغ. فقبل سنوات عديدة من بدء مفاوضات كينيا كانت تتوالى فصول عملية تفاوضية بين «حكومة الإنقاذ» والحركة تحت رعاية مجموعة الدول الأفريقية التي عرفت جماعياً باسم «إيقاد». طوال تلك المفاوضات التي تواصلت على مدى سنين لم يسمح للأحزاب الشمالية الرئيسية بالمشاركة.

تأسيساً على هذا كله نفهم إذن لماذا لم يعرف قادة حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي كيف يستقبلون اتفاق نيفاشا للسلام بعد أن جرى التوقيع عليه في مطلع عام 2005، فاتخذوا موقفاً ضبابياً مضطرباً بين القبول والرفض.

رحبوا مبدئياً بالاتفاق حتى لا يقال إنهم ضد السلام، لكنهم نقضوا هذا الترحيب بتوجيه انتقادات إلى عدة بنود في وثيقة الاتفاقية من شأنها أن تحجّم وزنهم السياسي، ومن أبرز هذه البنود مثلاً ما يتعلق باقتسام السلطة، حيث يستأثر شريكا الاتفاقية وحدهما بالنسبة المئوية العظمى للمناصب الوزارية والبرلمان على الصعيد المركزي تاركين للقوى السياسية الرئيسية المتمثلة في الأحزاب الكبرى فتات مائدة.

إن الإنصاف يقتضي في كل الأحوال أن نقر بصواب هذه الانتقادات فهي تهدف عند نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج اتفاقية نيفاشا لإخراجها من الإطار الثنائي الضيق كرهينة للمؤتمر الوطني والحركة الجنوبية ونقلها إلى الإطار القومي العريض. بكلمة أخرى.. فإن اتفاق نيفاشا بحاجة إلى عملية جراحية تشمل كل بنوده الرئيسية.