قوس الحرائق في المنطقة، يهدد بالتمدد. منها ما يقف على أهبة التجدد الخطير. ومنها الجديد، الزاحف نحو الاشتعال الأخطر. وكله متزامن مع بعضه. مما يجعل ألسنة اللهب عصية على أية إطفائية، لو اندلعت نيرانها. والمخيف أكثر من أي وقت مضى، أن وراء هذا القوس أخذت ترتسم علامات شبح حروب التفكيك المتداخلة. تهديد غير اعتيادي، بل مصيري؛ يحتاج إلى استدراك من صنفه وبصورة مستعجلة. فاصل الزمن، لم يعد يسمح بترف الانتظار.
الالتهابات في الشرق الأوسط بضاعة مألوفة وليست دخيلة، وكذلك كان التعايش معها؛ إما بضبط خسائرها وتقليلها، وإما بالتأقلم معها؛ ولو إلى حين. لكن ولا مرة كانت ساحته، بطولها وعرضها متفجرة أو برسم التفجير؛ بهذه الكثافة والتوقيت. من تركيا إلى باكستان؛ من العراق إلى السودان؛ من إيران إلى فلسطين ومن بيروت إلى دمشق. والباب مفتوح أمام المجهول. ثمة حالة من الانسداد والتفاقم، غير المسبوقة بدرجتها ومدلولاتها وما تنطوي عليه من آثار بعيدة ومصيرية.
والأدهى أن حلقات هذه الحالة، بجديدها وقديمها، مترابطة ومتداخلة؛ بهذا القدر أو ذاك. على الأقل بانعكاساتها إن لم يكن بأسبابها. الأمر الذي يجعل مناخات التأزيم طاغية وربما جارفة؛ على حساب مناخات التسوية والحلحلة.
السودان الذي يحاول تلمس طريق الخروج من أزمة دارفور وتعقيداتها؛ تطل عليه فجأة مشكلة الجنوب من جديد؛ وتهدد بالعودة إلى دوامتها السابقة، وهي التي بالكاد مضى على تسويتها سنتان؛ بعد عشرين سنة من حروبها. اللقاءات الأولى لتجاوز الإشكالات التي أعادتها إلى دائرة التأزيم؛ لم تثمر، حتى الآن. الساحة الباكستانية، ترتفع درجة حرارتها السياسية بوتيرة تدعو إلى الخشية استقبالها لعودة بنازير بوتو بأكثر من 130 قتيلاً؛ يؤشر إلى أنها حبلى بعوامل الاضطراب.
مؤتمر الخريف الموعود حول السلام المفقود بدا متثاقل الخطى ومهدداً بالتأجيل. جولة الوزيرة رايس، انتهت إلى ترجيح صرف النظر عنه، في موعده. إصرار إدارة الرئيس بوش على تسويقه بشروطه وقياساته الإسرائيلية، وضعه في مهب الريح. بل ربما أطاح باحتمال خروجه بمقررات واعدة؛ حتى لو عاد وتم انعقاده.
ملف الاستحقاق الرئاسي اللبناني، لا يزال محكوماً بالجمود؛ في ضوء العجز، قبل ثلاثة أيام من موعد الجلسة النيابة لانتخاب رئيس جديد، على تجاوز العقبات القائمة. المراوحة أرخت بظلال الشك حول إمكانية أن تتمخض المساعي عن كسر لجدار الأزمة.
حتى تركيا التي كانت بمنأى عن نار أزمات المنطقة وإذ بها تقف على حافة الدخول في نزاع، قد يدخلها إلى قلب معمعة الصراع المنفلت في المنطقة. تهديدها باجتياح لجزء من شمال العراق، بحجة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني ـ التركي ـ يزيد من منسوب خطر توسيع بيكار لعبة الحرب في المنطقة؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من ذيول وتداعيات عميقة وبعيدة المدى.
وكذلك هي الحال، بخصوص التصعيد المتحكم بالنووي الإيراني وكلام الرئيس بوش عن «حرب عالمية ثالثة» محتملة؛ بسببه. وزاد الطين بلّة أنه بالإضافة إلى كل هذا التسخين في المنطقة وبالتوازي معه، تشهد العلاقات الأميركية ـ الروسية تحولاً نحو ما رأى فيه المراقبون تجديداً للحرب الباردة بينهما، أو لنسخة منقحة منها؛
مع كل ما يستتبع ذلك من انعكاسات على الشرق الأوسط وساحاته المشتعلة أو المرشحة للاشتعال. الأمر الذي يعيد من جديد، رمي الكرة في هذه الساحات، بملاعب أصحابها، وحدها اليقظة الداخلية قادرة على الإنقاذ؛ قبل أن تصبح أسيرة للصراعات والتجاذبات الخارجية والدولية.
