تعكس عملية محاولة الاغتيال المرعبة التي تعرضت لها السيدة بنازير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة، بعض جوانب المستقبل الغامض الذي تنجرف نحوه البلاد بسرعة قياسية، وهو مستقبل لا يطمئن على اي حال.
باكستان تعيش اوضاعاً امنية وسياسية متفاقمة، وتخضع لنظام حكم عسكري فاقد الشرعية، مثلما هو فاقد تأييد الغالبية العظمى من ابناء باكستان، لانه وظف كل امكانيات البلاد في خدمة المخططات الاميركية التي يرى الكثيرون انها تتناقض مع مصالح المسلمين.
فلم يكن من قبيل الصدفة ان تظهر استطلاعات الرأي تفوق زعيم تنظيم القاعدة من حيث الشعبية على الرئيس برويز مشرف الذي احتل مرتبة متدنية بالمقارنة مع السيدة بوتو او خصمها الآخر نواز شريف رئيس الوزراء الاسبق الذي اطاح به الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال مشرف، وزج به في السجن الى ان تقرر ابعاده الى المنفي في المملكة العربية السعودية.
السيدة بوتو عادت الى باكستان بناء على صفقة اميركية لتجميل وجه النظام الديكتاتوري العسكري، ومنع انهياره، اي انها لم تعد من اجل انقاذ الديمقراطية، مثلما صرحت فور وصولها الى مطار كراتشي، وانما لانقاذ نظام عسكري ديكتاتوري منبوذ من الغالبية العظمي من ابناء الشعب الباكستاني.
الصفقة لم تشمل نواز شريف واقتصرت على السيدة بوتو فقط، وتنازل شكلي لمشرف عن رئاسة الجيش وخلع ملابسه العسكرية ليتولى رئاسة الجمهورية، وهذا يعني ان السيد شريف ليس موضع ثقة العراب الاميركي، ولهذا تمت اعادته على الطائرة نفسها التي حملته الى اسلام اباد تنفيذا لحكم من المحكمة العليا الباكستانية بالغاء قرار ابعاده.
تعهد السيدة بوتو بمنع سقوط البلاد في ايدي الاسلاميين المتطرفين هو كلمة السر التي جعلتها السياسية الاثيرة لدي القلب الاميركي، ولكن اصدار التعهدات شيء وتنفيذها على الارض شيء آخر مختلف تماماً.
فالحملة التي قادتها بوتو ضد الاسلاميين عام 1996 هي التي ادت الى خسارتها الانتخابات العامة، وتعرضها الى عملية اغتيال نجت منها باعجوبة، واتهمت تنظيم القاعدة بالوقوف خلفها.
فاذا كانت السيدة بوتو تريد ان تبني شرعيتها الجديدة على استئصال التطرف الاسلامي، وهو حق مشروع، فان عليها ان تتوقع ان يبادلها هؤلاء الشعور نفسه، وان لا يستقبلوها بالورود بعد عودتها الى مطار كراتشي لبدء الحرب على هؤلاء بمساعدة اميركية.
المجزرة التي وقعت اثناء محاولة الاغتيال الفاشلة هذه مدانة، ليس فقط بسبب ضخامة عدد الضحايا الابرياء الذين سقطوا من جرائها، وانما لان مثل هذه الاعمال مرفوضة وتعطي نتائج عكسية تماماً تصب غالبا في مصلحة الاشخاص الذين تستهدفهم. فمحاربة السيدة بوتو وفكرها وسياساتها يجب ان تتم من خلال صناديق الاقتراع.
عودة السيدة بوتو في اطار صفقة اميركية تذكرنا بعودة الدكاترة احمد الجلبي واياد علاوي وابراهيم الجعفري وموفق الربيعي ونوري المالكي وعبد العزيز الحكيم، فقد قاد هؤلاء بلادهم العراق الى كارثة الحرب الاهلية، وحولوها الى دولة فاشلة ومرتع لتنظيم القاعدة وكل جماعات التطرف الاسلامي، ولا نعتقد ان حظ السيدة بوتو سيكون افضل.
فنجاح الجهة التي نفذت مجزرة محاولة الاغتيال الفاشلة هذه في افساد مهرجانات عودتها بالطريقة الدموية التي شاهدناها رغم الاجراءات الامنية المشددة، والتهديدات المسبقة، يؤكد ان باكستان سقطت فعلا في قبضة المتشددين، وفي طريقها لان تواجه مصير افغانستان، وتصبح دولة فاشلة ان لم تكن قد اصبحت فعلاً.
