عقيدة القاتل والمقتول لا تقوم على قانون واحد، فقد قُتل الأنبياء والمصلحون والأبطال، والعلماء، بتدابير خلقت مبرراتها، وقد استطاعت شعوب كبرى أن تقيّد سلوك مواطنيها بتساوي الحقوق أمام القانون وفق تشريعات أوصلتها إلى نظم حكم ناضج وبذلك سهُل اختيار من يمثل شرائح المجتمعات، ومن خلال البرلمانات وممثليها يأتي الزعيم إلى السلطة العليا، إلا العالم الإسلامي، ومن يقع في خانته من دول لا تزال تعيش فوضاها واختلالها النفسي والعقلي.
في القارة الهندية، قُتل قائدها ومحررها (غاندي) من قِبل هندوسي، وأبناء وأحفاد نهرو قتلوا بأيدي أصحاب المذهب والدين الذي يتلاقى مع عقيدة انديرا وأبنائها.
وفي الباكستان تم تصفية زعامات بعضها تم بسبب خلافات داخلية، والبعض الآخر من قِبل الجيش أو لعبة الصراع التي تقودها قوى خارجية بتحالف من الداخل، وقد ذهب"بوتو" وضياء الحق، وسجن وطرد غيرهما، ومن ضمنهم السيدة "بنازير" التي شهد موكب عودتها إلى وطنها أكبر مجزرة ربما في التاريخ في مثل هذه الاحتفالات.
وبصرف النظر عن المتسبب، إلا أن الضحايا هم من طبقات الشعب التي لا تملك سلطان القوة والنفوذ، وذهبت فقط لأنها جناح مؤيد (لبوتو) ضد خصوم آخرين يرفضون عودتها أو سلطتها، وفي هذا المعترك الدامي، نستغرب أن تبقى الباكستان عنواناً لدولة عجزت عن أن توفر زعامة تقودها للاستقرار مثل تركيا، أو الهند، أو حتى أندونيسيا الأكبر تعداداً للسكان وتباعد الجزر عن بعضها..
مشكلة هذا البلد أنه تجمعٌ من أعراق وقبائل وديانات ومذاهب لم تكتب عقداً يقوم على مصالحة وطنية وتعايش أبديّ فيما بينها، لأن لكل فئة زعيمها أو شيخها الذي يفتي لها بجواز الحلال والحرام، ومن هنا نشأ النزاع الذي لم يردعه إلا الجيش، وهو حارس يملك المناصب العليا وترفها ونفوذها ويشكل طبقة متجانسة تحكمها أطر المصلحة والامتيازات، ومع أن مثل هذه التجربة نجحت في تركيا من خلال تمارين طويلة جرت بخيارات أن تحكم بدكتاتورية الجيش أو الحكم الديموقراطي، فإن التجربة استقرت على المفهوم الأخير، غير أن باكستان حكمت بعناصر الجيش أكثر مما تحكم بالحكم المدني، وبذلك صار سهم القبيلة والحزب الديني، أو أي تكتل ما، لم يأت من خلال تسلسل تربوي وثقافة عامة تذيب هذه الأجناس، والعقائد في وطن يستقر على مبادئ ثابتة..
(بنازير بوتو) حكمت الباكستان ضمن سلسلة من النساء وصلن إلى الحكم في سري لانكا، والهند، وأندونيسيا، وبنغلاديش، وقد سبقت حتى الدول المتقدمة في أوروبا، والخلاف في باكستان لم يأت من حكم جنس الرئيس ذكراً أو أنثى، وإنما من طبيعة الانقسامات الداخلية المؤيدة والرافضة لرئيس الدولة، والسيدة بنازير أعطت اختباراً للشعب الباكستاني، نجحت فيه المحكمة العليا بقرار عودتها، لكنها شكلت مأزقاً حاداً لمستقبل باكستان، فهل نرى الحل يأتي من الشعب أم من سلطة الجيش، وفي كلتا الحالتين تبقى المغامرة لا تنتج إلا الفوضى؟!
