هل الفلسطينيون والعرب مضطرون لحضور مؤتمر السلام الذي روجت له كثيرا الإدارة الأميركية، وأرسلت وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس للمنطقة لإقناع قادتها بحضوره؟ وكيف يمكن الاستفادة من هذا الملتقى إذا التأم فعلا في الخريف؟
الموقف الإسرائيلي من المؤتمر واضح، حيث لا يخفي أولمرت ومعارضوه رغبتهم في عقد المؤتمر دون جدول زمني محدد للانتهاء من مناقشة القضايا الأساسية، والاكتفاء بالخروج بإعلان نوايا. والموقف الأميركي لا يختلف عن الموقف الإسرائيلي، الأمر الذي يعني أن الهدف من المؤتمر هو استدراج الفلسطينيين والعرب إلى فخ جديد، وكأن تجربة أوسلو قد تم محوها.
بعبارة أخرى يسعى الإسرائيليون وبالطبع معهم الأميركيون إلى التطبيع مع الدول العربية بغض النظر عما يتم انجازه من خلال المفاوضات التي قد تستمر عشرات السنين، حيث لا توجد مرجعية ثابتة لها.
ولعل البعض يتساءل: ما الذي يجبر الفلسطينيين والعرب إلى دخول هذا الفخ وهم يعلمون مسبقا أبعاده وخطورته؟ وإذا كان لإدارة بوش حساباتها الخاصة بعد تردي وضع قواتها في العراق، واستمرار توترها مع إيران، وإذا كان لأولمرت أهداف أخرى في ضوء موقف حزبه الضعيف داخل إسرائيل، فان الأمر يختلف قليلا بالنسبة للفلسطينيين وكثيرا بالنسبة للعرب.
فإدارة بوش وهى في عامها الأخيرة، تسعى إلى تجميل صورة الجمهوريين التي تدهورت في الداخل الأميركي بسبب الأوضاع الصعبة في العراق، حيث ترى واشنطن في ضعف النظام العربي فرصة لتحقيق هذا الهدف. ليس هذا فقط ما تراه إدارة بوش.
بل امتدت رؤيتها للمفاوض الفلسطيني الذي وهن موقفه كثيرا بعد وقوع قطاع غزة في أيدي حركة حماس، وبالتالي سعي الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتحقيق انجاز يعيد لفتح بعضا من هيبتها التي فقدتها في مخيلة كثير من الفلسطينيين بالداخل والخارج.
بعبارة أكثر وضوحا، هناك مصالح أميركية وإسرائيلية وربما فلسطينية لانعقاد هذا المؤتمر، ولكن السؤال الأهم يظل مطروحا : كيف يمكن فلسطينيا وعربيا إنجاح هذا المؤتمر والاستفادة منه؟
الواضح من جولة رايس الأخيرة في المنطقة، أنها حاولت إقناع قادتها بأهمية مؤتمر الخريف، وبالتالي ضرورة المشاركة فيه. وحسنا فعلت مصر حينما طالبت ضمنيا بتأجيل المؤتمر، حتى يتسنى الإعداد الجيد له، والاتفاق على مرجعيات ثابتة يعود إليها المفاوضون مع وجود جدول زمني محدد للمفاوضات.
اللغة التي سمعتها رايس في القاهرة مطلوب تكرارها بعبارات أكثر وضوحا وتحديدا من عواصم عربية أخرى، حتى لا تضيع القضية الفلسطينية إلي الأبد، ومطلوب أيضا أن يسمع ساكن البيت الأبيض وإدارته أن العرب قد تعلموا درس أوسلو جيدا، وأنهم لن يتقدموا خطوة تجاه التطبيع مع إسرائيل دون عودة الحقوق لأصحابها.
فالعرب غير مطالبين بالمشاركة في مؤتمر استبعدت رايس حدوث اختراقات مهمة خلاله، بل إن الوزيرة الأميركية ذهبت إلى القول إن واشنطن لن تفرض حلا على إسرائيل التي أعلنت عبر أولمرت وليفي انه لن تكون هناك جداول زمنية ينبغي الالتزام بها للوصول إلي تسوية نهائية، كما أن القضايا الحساسة لن تناقش خلال المؤتمر، وأن المطلوب فقط مجرد (إعلان نوايا).
العرب غير مطالبين أيضا بالمشاركة في ملتقى لن يتخطى حدود المجاملة للتدليل على أن إدارة بوش مهتمة بالتوصل إلى تسوية فلسطينية إسرائيلية، دون أن يترجم ذلك على أرض الواقع. أما الفلسطينيون فهم مطالبون - رغم انشقاق صفوفهم - بالتمسك بثوابت القضية وعدم التفريط فيها مقابل وعود هلامية من بوش أو أولمرت، لأن ثمن ذلك سيكون فادحا وسيدفعه بالتأكيد كل فلسطيني سواء بالداخل أو الخارج.
فنجاح المؤتمر يتطلب وحدة فلسطينية وتنسيقا عربيا وجهدا أميركيا، حتى يرضخ أولمرت لمتطلبات عملية السلام، إذا كان جادا في سعيه لتحقيقها، الأمر الذي يعني ضرورة إيجاد مرجعيات للمفاوضات، ووجود جدول زمني محدد لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه، قبل أن يبادر العرب إلى فتح عواصمهم أمام السفراء الإسرائيليين.