في الماضي السحيق كان هناك الفرس والروم الذين كانوا أعداءً للعرب وكانت رحلة الشتاء والصيف بين الشام والجزيرة العربية خالدة في تاريخهم (والتي حددت العرب بقطبين)، هكذا كانت أقطاب الترتيب الثلاثة حينئذ. وما أقرب نحن منه الآن فالشرق الأوسط الكبير ما هو إلا الشام وجزيرة العرب، والمنطقتان واقعتان الآن بين تأثيرات القوة الإيرانية والقوة الغربية، لكن دون كر وفر، كما كان في الماضي السحيق.

لم يعد الكر والفر ممكناً ولا حاجة له في عصرنا هذا (إلا في حدود سياسة ضيقة - تغير الوضع العالمي لدولة معينة) والبديل هو الثقل الإستراتيجي الذي يستطيع تغيير الواقع السلبي إلى ذاك الذي يحقق المصالح الوطنية (العربية)، إنه مزيج مركب من التحالفات الإقليمية والدولية والقوة الاقتصادية مدمج في إطار دبلوماسي لتحقيق هذه المصالح الوطنية.

إننا في عصر الممالك والإمبراطوريات حتى لو لم تكن بالاسم فهي بالشكل، والواقع الذي يحكم العالم من حولنا. نحن العرب مكونون من دول ودويلات من المحيط إلى الخليج لا نستطيع أن نحكم العالم من حولنا، وإن كان هذا صحيحا فإننا لا نستطيع أن نحكم أنفسنا، يا له من واقع نعيشه يوما تلو الآخر.

يخبرنا التاريخ بأن الروم والفرس كانوا في صراع وحروب هذا ينهزم تارة وذاك تارة أخرى. وهكذا كان حالهم مع العرب بين غالب ومغلوب، وكان العرب هم الغالبون عندما كانوا يتوحدون بقبائلهم قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام ليوحدهم في انتصار تلو الآخر، أما بعد أن دخل الفرس في الإسلام فأصبح وضعهم مختلفاً. والآن يواجه الإيرانيون الغرب، ولكن لا يزال كل طرف منهم ينظر إلى العرب بنوع من الريبة نظراً لاختلاف المصالح أحياناً كثيرة.

يعرف العرب أنفسهم بأنهم عرب وعربان ويصفون ما يلونهم أولئك خلف النهرين والخليج بالعجم، وكلمة عجمي كلمة عامة تشمل العروق المختلفة التي تعيش في هذه المناطق أو كما نعرفها الآن، فشمالا الأكراد مرورا بالإيرانيين ثم البلوش جنوباً.

إن ارتباطاتنا قوية مع هذه العروق فمنطقة الشام تضع الأكراد والإيرانيين في أولويات اهتماماتها والجزيرة العربية تضع إيران والبلوش في ارتباطاتها منذ القدم، إن الوضع الحالي لا يعكس الركائز التاريخية لمنطقة الجوار العربية.

لقد تم هذا في الترتيب التاريخي عندما قام الغرب بتقسيم هذه المنطقة في بداية القرن الماضي، إنه من المحتمل أن ترجع الأمور إلى وضعها المحتمل الإثني (العرقي) فالأكراد قد ينالوا دولتهم وبلوشستان قد توحد القسمين الباكستاني والإيراني لأصحابها، وإيران ستحتفظ بدولتها الطبيعية، وهذا ما يخطط له الغرب ولا يخفيه بعض مراكز أبحاثهم المتصلة بمراكز صنع القرار.

إن ما يجري حاليا في المنطقة عسكريا، أوسياسيا،أو كتابيا، أو نقاشيا... كل له رأي خاص من صانعي القرار والمفكرين والكتاب والأفراد كل له تأويلات مختلفة وغامضة، إننا هنا نحاول وضع صورة بسيطة وواضحة إلى ما هو أبعد من البعيد، والذي الوصول اليه سيكون ملطخا بالدماء والدمار وما هو صحيح أو خطأ وما هو إنساني أو إجرامي، أما في الجانب الآخر (الجانب العربي) فإن هناك التصور الرهيب الذي سيعانيه العرب مستقبلاً.

نعم، إلى أين نحن ذاهبون؟ أهو خيال أم مستقبل غامض؟ وهل ما سيحدث في الجانب الآخر سيحدث لنا؟ إن هذه التحولات والتغيرات الكونية المتوقعة في هذه الصيرورة لن تكون منفردة، فالجانبان سيعيشانها معاً، ليس هناك جانب الآن والآخر بعد فترة وكذلك ما سيتم من تغيرات في جانب سيتأثر به الجانب الآخر، ويتساءل البعض هل نحن في بداية المشوار أم نحن في خضم هذه التغيرات؟

إن مجرد التفكير في الوصول لهيكل المملكة العربية أو الممالك العربية القادمة وما سوف تكون ديناميكية الوصول إليها يحتاج عبور الكثير من الخطوط الحمراء أو بالأحرى الحمقاء ويرى البعض أنه يتدنى إلى السوقي، لنبتعد من الحمراء والحمقاء والحضيض، ونرتقي لبعض التصورات التي من الممكن أن تفرض نفسها على واقع المستقبل العربي والجميع له نظرته وقيمه الخاصة فيما يخص كينونة هذا المستقبل، إنه فقط صورة من هذه الصور.

كما تم طرحه فالطرف الآخر تحكمه أعراقه لتكون نواة لقيام دولهم، أما العرب فعرق واحد وهناك التيار المشهور والذي يدعو إلى الوحدة العربية منذ بضعة عقود من الزمن دون جدوى،لا بل كثير من الساسة العرب تحتشد عزائمهم لمصالحهم السياسية الخاصة حتى أصبحت هذه المصالح الوطنية وغيرها في مهب الريح وليس من المتوقع لها النجاح في حشد الرأي العام العربي مرة أخرى لتبني مشروع الوحدة العربي نعم لا يزال البعض يهلل لهذه الوحدة إلا أن الشارع العربي قد سئم منها، إن هذا المحرك لا يمكن الاعتماد عليه لبناء تلك المملكة.

إن هذا يدفعنا إلى استبعاد تلك الأمور التي لا تسهل أو تنجح أو يعتمد عليها لبناء المملكة العربية حتى نصل إلى ذلك المحرك الرئيسي ألا وهو «الرأي العام العربي»، إن مفتاح نجاح المملكة العربية القادمة هو إعطاء الثقة للشارع العربي لدرجة أن يكون فخورا بعروبته، ويعطيها من قلبه ما يعطيها للارتقاء بمستقبله، فالثقة تبنى خطوة خطوة هكذا ستأتينا هذه المملكة، نعم لربما ستقام المملكة، ولكن كيف ستبنى وما هذه الخطوات؟

إننا هنا انتقلنا من الصورة العامة إلى التفاصيل وهذا بحد ذاته أكثر تعقيدا ويقود إلى أمور مركبة تفصيلية وتطبيقية، أنه بحر كبير نريد أن نبرز وجوده ونتحاشى أمواجه الهائجة والتي ليس لنا بها حاجة، على الأقل في الوقت الحاضر.

كاتب إماراتي