تصاعدت هذا الأسبوع بشكل واضح حدة التصريحات الصادرة من منطقة آسيا ضد سياسة الإدارة الأميركية، وفي يوم واحد (17 ـ 10 ـ 2007) نشرت الصحف الأخبار التالية: «بكين تحذر واشنطن من عواقب لقاء بوش والدلاي لاما» و«تركيا تهدد بالرد على أي قرار للكونغرس يعترف ب«إبادة الأرمن» و«مجموعة قزوين تعارض استخدام أراضيها لشن هجوم على دولها في موقف فسر بأنه دعم غير مباشر لبرنامج إيران النووي».
ثم في اليوم التالي (18 ـ 10 ـ 2007) لم يتأخر الرد الأميركي وقد أتى مدويا كالصاعقة، فالرئيس الأميركي بوش يلوح بحرب عالمية ثالثة ويحث قادة العالم على منع إيران من حيازة السلاح النووي إذا رغبوا في تفاديها.
يعيد بوش استخدام التقنية الخطابية الابتزازية المبسطة نفسها التي يجيدها وسبق أن مارسها في عدد من المناسبات بحديثه عن «الخير مقابل الشر» و«من ليس معنا فهو ضدنا»، تهديد مبطن لدول العالم بالارتهان لإرادة الإدارة الأميركية وإلا فالآتي أعظم. والواضح أن كلام بوش يشي بالموقع الذي يتخذه صاحبه كسيد العالم.
قد يرى البعض في التصريح ما يفيد بان التعاطي الأميركي مع العالم تغير قليلا وإن بدا وكأنه لم يتغير. فبوش يلوح بحرب عالمية ثالثة، هذا صحيح، لكنه هذه المرة يطرح على العالم بديلا لحل المشكلة، وهو بديل يجعلهم مشاركين في صياغته بمنع تمكين إيران من حيازة السلاح النووي، وهو ينتظر بفارغ الصبر تسلم موجز اللقاء بين الرئيس الروسي بوتين ونظيره الإيراني نجاد لمعرفة ما إذا كانت لروسيا نفس المخاوف الأميركية حول النووي.
لكن هذه التهديدات تأتي بمعناها العام وسياق الأحداث التي تواكبها واضحة الدلالات، فالكلام عالي النبرة يسفه الحلول الأخرى المحتملة والممكنة ويضع الآراء المناقضة له في موقع العداء. وهذا له دلالاته في منطق القوة فإما الخضوع لإرادة الرئيس الأميركي وإلا الحرب الشاملة، وهناك تهديد واضح للدول القادرة على إعطاء إيران السلاح النووي وإعراب عن نوايا بل استعداد لخوض حرب عالمية ثالثة لمنعها من ذلك.
والولايات المتحدة الأميركية اليوم القوة العالمية الأولى على مستوى العالم بطوله وعرضه، تسيطر على البحار والفضاء وقادرة على التدخل في أي منطقة في العالم وتمتلك الأسلحة الأكثر تقدما وفتكا بما في ذلك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية القادرة على تدمير العالم في لحظات، لكن قدراتها التدميرية العملاقة تلك تبدو وكأنها لا تتناسب مع ما يفترض أن تمثله من دور على الصعيد العالمي، بل أن مستوى خطابها السياسي يوحي بنذير أزمات عالمية مدمرة.
يتساءل أحد المفكرين حول مدى صحة القول أن الإنسان عقلاني بسجيته، وان تطور البشرية يسير باتجاه الحفاظ على الجنس البشري وتطوره بدل تدميره. لقد شهد العالم بروز قادة سياسيين يتصفون بجنون العظمة في ظل ظروف اقتصادية وسياسية مشجعة لصعودهم سدة الحكم وفي سعيهم للسيطرة على العالم كانوا على استعداد لإبادة الملايين، فما الذي يضير أن لا يعيد التاريخ نفسه وأن تشهد الولايات المتحدة ظروفا مماثلة.
والمؤسف أنه بالرغم مما تمتلكه هذه الدولة من مقومات على الصعيد العلمي والتكنولوجي والثقافي وما تختزنه من قدرات في جامعاتها ومراكز أبحاثها يضاف إلى رصيدها من الأدمغة في مختلف المجالات العلمية والأدبية، إلا أنه ليس ثمة ضمانات بعدم وصول سدة الحكم طاقم سياسي يمكن أن يدخل العالم في أتون حروب بدون نهاية وفوضى لا يمكن السيطرة عليها وربما حربا نووية.
والمحزن أنه في الوقت الذي يشهد العالم تطورا علميا وتكنولوجيا كبيرا، فإن أنظمته الاجتماعية والاقتصادية ما زالت على تخلفها وفوضويتها وقصورها على الصعيد الإنساني، وما زال سباق التسلح النووي ساريا على قدم وساق ولم يستطع العالم إلى اليوم الاتفاق على خلو كوكب الأرض من الأسلحة النووية التي تنذر بفنائه على أيدينا.