فيما يتفشى في الخطاب السياسي العربي بمستوييه التحليلي والإعلامي التباكي والتحذير من مخاطر تفكك الدول العربية، تشهد بلجيكا مأزقا سياسيا عميقا يمكن أن يعصف بوجودها ذاته، وربما في هذا السبب بالتحديد هو درس مهم لنا، أولا لأنه يؤكد عمليا أن المخاطر التي يحفل بها الواقع العربي وتنعكس في الخطاب السياسي ليست استثناء في دنيا السياسة بحيث يتم باستمرار تكريس فكرة أننا وحدنا نواجه ما نواجه.

الدرس الثاني هو أن التهديدات التي توجه بقاء الدول العربية قائمة بحدودها الحالية لا يسندها خطابنا لمجمل أسباب موضوعية نتحمل قدرا من المسؤولية عنه بل يسندها دائما للعامل الخارجي الذي تحركه في خطابنا دائما إرادة الهيمنة والنزوع التآمري. فماذا فعل الآخرون وهم يواجهون التحديات نفسها؟

الحديث المتكاثر كالفطر عن مخططات أميركية صهيونية لتمزيق كل الدول العربية لا يكاد يوازن بين «مصالح» يحققها التفكيك لهذا الطرف أو ذاك وبين مسؤوليتنا عن وصول بعض دولنا لمشارف التفكك. ومشكلات التدخل الخارجي قد تؤدي لتسريع وتيرة تفكك دولة ما لكنها يستحيل أن «تختلق» شيئا كهذا من العدم.

والأزمة البلجيكية قديمة لكنها تفاقمت مؤخرا ثم لفتت نظر العالم عندما وجهت الخارجية البلجيكية رسالة طمأنة إلى سفراء بلجيكا في كل دول العالم لنقلها إلى حكومات الدول المعتمدين فيها، تفيد بأن بلجيكا ليست على وشك الانهيار ولن تتفكك.

وقد جاء في الرسالة «نحن نشهد بالفعل أزمة سياسية منذ وقت ولكننا قادرون على إيجاد مخرج.. ..نحن نعترف بأن الأمور ليست على ما يرام، وربما كان ذلك هو السبب في وجود اعتقاد لدى جزء كبير من العالم بأن البلاد ستنهار ومصيرها هو التفكك، مما يثير مخاوف المستثمرين وغيرهم، ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح وسنصل في النهاية إلى حلول».

قد تزامنت الرسالة مع تلقي ملك بلجيكا التقرير الأول من الفلاماني ايفس ليترم زعيم الحزب الديمقراطي الفلاماني، المكلف بإجراء مشاورات حول الحكومة الجديدة بعد مرور أربعة أشهر على الانتخابات التي تلتها أزمة سياسية طاحنة.

ويتركز الخلاف بين القسمين الكبيرين من البلاد: الفرانكفوني الناطق بالفرنسية ويقطنه حوالي 40%، وهو قريب من الحدود مع فرنسا، والفلاماني الذي يقطنه حوالي 60% من السكان وهو قريب من الحدود مع هولندا. وسبق أن تدخل الملك أكثر من مرة لإنقاذ الموقف ولكن دون جدوى حيث يتهم كل جانب الآخر بأنه السبب في إفشال المفاوضات، بسبب رفض الطرفين تقديم أي تنازلات، وهو الأمر الذي يعد في مصلحة دعاة الانفصال.

والبعض يلمح في الأمر مفارقتين: الأولى هي أن العاصمة البلجيكية بروكسل هي مقر الاتحاد الأوروبي وبالتالي فإن رمز «الوحدة» أصبحت رمزا للتفكك، والمفارقة الثانية أن هذا يلقي بظلال قاتمة على مسيرة الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن الاتجاه للوحدة ينطوي على نزوع للتفكك يمكن أن يشكك في الهدف الأوربي الأكبر.

فبينما يناضل الاتحاد الأوروبي، لصهر الوحدة السياسية والاقتصادية لدوله تنزلق دولة أوروبية بخطى حثيثة نحو التفكك. وعلى هذه الخلفية يتساءل رئيس حزب «المحور الإنساني الديمقراطي» الولوني المعارض: إذا كنا 10 ملايين مواطن، في قلب أوروبا، غير قادرين على التعايش بوجهات نظر مشتركة، فكيف سنتمكن من التعايش مع الدول الأخرى».

والمطالبة بالتفكيك لا يصنفه أحد في بلجيكا خيانة أو مؤامرة أو عمالة لقوى أجنبية بل يناقش كمطلب سياسي، صحيح أنه يتصف بتطرف ملموس لكنه في النهاية «مطلب» مشروع شأنه شأن دعوة الحفاظ على وحدة البلاد، وهو مطلب سكان الشمال الناطق بالهولندية (الفلمنكي) الغني الذي يرى أنه يتحمل وزر فقر الجنوب، وقد أظهر استطلاع للرأي أن 40 % من الفلمنكيين يريدون انقسام البلاد، مقابل 8 % فقط من البلجيكيين الجنوبيين.

والتحول الذي شهده المزاج السياسي البلجيكي الذي جعل كلمة الانفصال مقبولة في القاموس السياسي يعبر عنه سياسي بلجيكي بقوله «لفترة من الزمن، كانت كلمة الانفصالي كلمة قذرة، أما الآن فالنقاش يدور حولها باستمرار كل يوم تقريباً»، بل إن إيفز ليترم قائد الحزب المسيحي الديمقراطي الفلمنكي، الذي فاز بأكثر الأصوات الفلمنكية في الانتخابات الأخيرة، قال لصحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية إن بلجيكا ذات الــ177 عاماً هي «صدفة تاريخية»، وانتقد الملك البلجيكي لأنه لا يتكلم الهولندية بطلاقة!

فهل نتعلم هذا الدرس ونحن نناقش مستقبل ملفات مثل: السودان والعراق. ففي مقابل دعوات المقاومة وفرض الوحدة بالقوة وتقديس الحدود القائمة بغض النظر عن إرادة المواطنين ينادي دعاة الانفصال في بلجيكا بـ «طلاق مخملي» (أي سلمي) على غرار تشيكوسلوفاكيا، التي انشطرت بطريقة سلمية إلى دولتين مستقلتين قبل 15 عاماً.

وهكذا قفز النموذج التشيكوسلوفاكي، مؤخراً، لواجهة الجدل البلجيكي الانفصالي ولعله النموذج الأفضل كونه هو الآخر خلق دولتين إحداهما تستأثر بمعظم مقومات الثروة (تشيكيا). لكن الشيء المختلف في التجربة البلجيكية هو رغبة الطرفين في الاحتفاظ بالعاصمة بروكسل ضمن حدود دولته الجديدة. حيث «لا أحد يريد أن يخسر بروكسل».

ولا يخلو الأمر من صراع على هوية البلاد فحسب تصريح لوزير الخارجية والإعلام والسياحة غيرت بورجوا للواشنطن بوست: «نحن ديمقراطيتان بأحزاب مختلفة واحتياجات مختلفة تماماً.. نحن نتكلم لغتين مختلفتين، ولا نشاهد القنوات التلفزيونية ذاتها، ولا نقرأ صحف بعضنا البعض»، بل بلغ الانقسام أن حظرت مدينة ميرشتيم الفلمنكية القريبة من بروكسل، استخدام أي لغة سوى الهولندية وتمنع المدارس الفلمنكية الرسمية الطلاب الولونيين من التحدث بالفرنسية، كما فرضت على أهالي هؤلاء التكلم مع معلمي أبنائهم بالهولندية، أو اصطحاب ترجمان هولندي!

والفارق بين الشمال والجنوب في بلجيكا يكاد يكون هو نفسه الفارق بين الشمال والجنوب في التجربة الأميركية التي انتهت بالحرب الأهلية فالمناطق الجنوبية، التي كانت تهيمن على السياسة والاقتصاد البلجيكيين لعقود خلت تتمتع بوفرة في الثروات الطبيعية لكنها أصبحت تعاني البطالة وسوء الرعاية الصحية بينما تمكنت المناطق الفلمنكية الشمالية التي تحظى بالسهول الزراعية الواسعة، ويشكل أهلها أكثر من نصف سكان بلجيكا من تطوير شركات التكنولوجيا وتحريك عجلة التجارة الدولية، وهكذا تنقسم بلجيكا أيضا على خلفية نمطين من التنظيم الاقتصادي: التقليدي والحديث.

التفكك إذن ـ وإن لم يكن مرغوبا ـ ليس نهاية التاريخ، وقبل بلجيكا تفككت يوغوسلافيا معمدة بالدم بسبب تحريم فكرة «التفكك»، وتفككت تشيكوسلوفاكيا بشكل سلمي ناعم، وتفككت وحدة أستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وتتردد دعوة الانفصال في كيبيك الكندية وفي شمال إيطاليا. وفي المقابل توحدت الألمانيتان لأن هذا كان اتجاه التاريخ وليس من الحكمة الوقوف ضد اتجاه التاريخ لأنه كما يأتي بالانفصال يأتي بالوحدة وليس أي من المفهومين «ملعونا» ولا «مباركا» فكفاءة الدولة وتناغمها أهم بكثير من حجمها السكاني أو المكاني.

كاتب مصري