قبل أن نتكلم في أبعاد العلاقة بين العراق وتركيا وصولا إلى أزمة المتمردين الأكراد، لابد لنا بداية أن نقول إن علاقة العراق بجواره هي عبارة عن أزمات متراكمة قابلة للاشتعال سبق أن اتهمت الحكومات العراقية الماضية بالفشل في إدارتها إلى أن انعم الله علينا بحكومة السياسيين الأعداء وراع أميركي لا يفقه سوى منطق القوة والغطرسة تضاف اليه وضع امني متدهور صار ميزة العراق الأمر الذي هيأ البيئة المناسبة لكي تصفي تلك الجارات حساباتها .
بين العراق وتركيا لطالما كانت الأرض السياسية وعرة لكن العراق لطالما أحسن التعامل الدبلوماسي مع هذا الجار منطلقا من اعتبار أن تركيا ليست صاحبة أطماع بقدر أنها دولة صاحبة مصالح وترعى مصالحها بدقة ودون أي مجال للرد والبدل..
خلال الثمانينينات أحسن العراق تحييد تركيا خلال فترة الصراع مع إيران وهذا التحييد تم من خلال منطق الاستفادة والمنفعة المتبادلة العراق استفاد من قدرة تركيا على مسك الحدود الشمالية ومنع تمويل المتمردين الأكراد المدعومين من إيران وبالمقابل تركيا استفادت ماديا حيث إنها كانت تعتبر من الدول الوسطية في تجارة السلاح التي نشطت خلال الحرب بين العراق وإيران..
هذا بالإضافة إلى أن العراق كان يمد تركيا بالبترول ونشطت الموانيء التركية واستفادت من عملية تصدير النفط عبر أراضيها.
في التسعينات وابان حرب الخليج الثانية تغير الوضع بين العراق وتركيا حيث إن ارتباط تركيا بحلف شمال الأطلسي حتم عليها المشاركة الفعلية في ضرب العراق وبالتالي فان مرحلة التسعينات شهدت تغيرا في مسار العلاقة بين العراق وتركيا باتجاهات تراوحت بين التشنج والسلبية دون أن تصل إلى العداء أو الصدام في ما عدا حادثة واحدة وهي عندما أقدمت القوات التركية على التحشد على حدود كردستان بصورة واسعة الأمر مطلع عام 1993 الأمر الذي دعا القوات العراقية إلى التحرك لصد هذا التحشد مع أن في تلك الفترة قد تم إعلان إقليم كردستان إقليميا منفصلا عن الحكومة المركزية في بغداد.
تركيا بعد الاحتلال تمسكت بمبدأ حماية حدودها الجنوبية وقد تلقت تطمينات من الولايات المتحدة بان القوات الأميركية ستلتزم بحماية الحدود التركية من نشاطات المتمردين الأكراد وبالأخص حزب العمال الكردستاني المحظور الذي ما برح يشن سلسلة هجمات دموية على القوات التركية والسعي لإقامة وطن للأكراد في جنوب شرق تركيا..
ولكن على اثر جهود الولايات المتحدة لإحلال الأمن والاستقرار في المنطقة وتحرير العراق والانتصار في حرب أميركا المقدسة على الإرهاب وكل تلك المغالطات والهرطقات.
الواقع الذي حصل هو أن العراق تحول إلى ارض خصبة لنمو مختلف أنواع التنظيمات الإرهابية في المنطقة بمعنى آخر أن تلك المنظمات الإرهابية نمت تحت وسادة القوات الأميركية في العراق.
تركيا ومنذ منتصف العام الماضي حركت قضية المتمردين الاكراد بقوة وطالبت الحكومة العراقية والقوات الأميركية بحسم هذا الموضوع إلا أن تداعيات الوضع الأمني والسياسي المتردي وكذلك تحجيم دور القوات الأميركية التي تحولت إلى موقع الدفاع عن الذات دعا بتركيا إلى اخذ زمام الأمور والتدخل الجدي من منطلق حماية المصالح .
المهم أن تركيا تحولت من مستوى الوعيد إلى مستوى التنفيذ حيث إنها بدأت فعلا تلوح بحملة عسكرية موسعة للقضاء على متمردي حزب العمال الكردستاني الذي تدعي ان هناك بحدود 3000 من عناصرها متمركزين في شمال العراق.
وقد وافق البرلمان التركي في جلسة عقدها يوم الاربعاء الماضي على السماح لقوات الجيش بعبور الحدود إلى شمال العراق لضرب قواعد الأكراد المتمردين هناك، وسط تأييد شعبي جارف للقيام بعمل عسكري ضد المتمردين الأكراد.
هذا الموقف التركي والتصريحات القوية تبدو وكأنها صفعة توجهها تركيا إلى ثلاثة وجوه.. الوجه الأول هو حكومة إقليم كردستان التي تطالب بإقليم كردي فيدرالي يشمل كركوك وأجزاء من الموصل وديالى ويدعي أن هذا الإقليم هو بذرة الاستقرار في العراق وبالتالي فان تركيا توجه رسالة تحدي لاستقرار هذا الإقليم الذي سيتحول إلى وضع مأساوي لا يقل فوضى عن أي منطقة في العراق.
والصفعة الثانية هي للولايات المتحدة التي صارت تتعمد إثارة المزيد من الزوابع في تركيا وخاصة على اثر انتخاب اردوغان وكتلته المسلمة ومن تلك الزوابع ما اعترفت به كونداليزا رايس التي أعلنت بوجود توتر في العلاقات مع تركيا بعد تصويت لجنة في مجلس النواب الأميركي على مشروع قرار يعتبر أن الأرمن تعرضوا لإبادة جماعية على يد تركيا في الحرب العالمية الأولى هذا القرار وصفه اردوغان بانه لعبة سياسية أميركية رخيصة.
ومن جهته صرح رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يشار بويوكانيت انه إذا صادق الكونجرس على مشروع قانون يصف قتل الأرمن على أيدي الأتراك العثمانيين بأنه إبادة جماعية فإن العلاقات بين أنقرة وواشنطن لن تصبح كما كانت من قبل على الإطلاق.
أما الوجه الثالث فهو إلى الحكومة العراقية في بغداد التي بلغ الضعف فيها إلى الدرجة التي لا تستطيع حماية حدود العراق وصارت تنقسم على ذاتها ليس فقط في قضايا الداخل بل حتى في قضايا الخارج فالرئيس العراقي جلال الطالباني والطاقم الكردي في الحكومة أعرب عن قلقه الشديد من التحركات التركية التي وصفها بالاعتداء السافر.
أما حكومة المالكي التي سبق أن أعطت الضوء الأخضر لتركيا للتدخل في شمال العراق لمطاردة المتمردين بموجب برتوكول وقعته الحكومة العراقية مع الجانب التركي الشهر الماضي فانها لا حول لها ولا قدرات تستطيع أن تردع أو ترد القوات لتركية ولا هي قادرة على الهروب من قبضة الأكراد الذين يعدون سبب استمرارها بعد انسحاب 17 وزيرا منها ،و مثلما صرح مقربون من المالكي أن الأكراد يعرفون أنهم عراقيون فقط عندما يتهدد كيانهم الخطر والانهيار .
كما أن خطورة التهديدات التركية لا تأتي من مجرد التلويح بعمل عسكري في شمال العراق بل تنسحب أيضا على العراق الذي سيصير مسرحا لتصفية الحسابات الإقليمية وهو أمر خطير لان تلك الحسابات معقدة وشائكة وستجعل من العراق أرضا لحروب إقليمية محدودة او موسعة تتقاتل فيه أطراف وأطياف من الخارج والداخل.
كاتبة عراقية
