الاتحاد الأوروبي يماطل في الموافقة على انضمام تركيا لأسرة الاتحاد. وفرنسا ساركوزي ترفع من مستوى هذه المماطلة إلى موقف عدائي تجاه تركيا، وألمانيا تقترح «شراكة متميزة» لتركيا مع الاتحاد الأوروبي عوضاً عن قبول عضويتها بالكامل.

وبينما يستعد مجلس النواب الأميركي لإصدار قرار تجريمي ضد تركيا لاعتبار ما جرى للأقلية الأرمنية خلال الحرب العالمية الأولى «هولوكست» تركي، فان إدارة بوش تخفي بالكاد تضامنها مع «دولة» الأكراد في العراق مع غض البصر عن التمرد المسلح لأكراد تركيا وتحالفهم مع كردستان العراقية تحت رعاية أميركية.

هكذا تبدو تركيا معزولة ومنبوذة في الغرب.. فهل من أجل فك عزلتها تتجه صوب الشرق؟ الشرق في هذه الحالة يعني من ناحية روسيا ومن ناحية أخرى مجموعة الدول التي تشكل المحيط العربي الإسلامي لتركيا وخاصة سوريا وإيران والعراق.

على مستوى الحكم تبقى تركيا دولة علمانية. ولكن على الصعيد الشعبي تبقى بلدا إسلامياً. وبالتالي فإن تلاشي الإطار العلماني التركي هو فقط مسألة وقت. هذه هي الحقيقة التي تدركها الطبقات الحاكمة في دول الاتحاد الأوروبي وترفض بسببها انضمام مجموعة سكانية تتكون من 70 مليون مسلم (حاليا فقط) إلى الاتحاد.

وقد لاحظت معاهد الدراسات الأوروبية أن الوجدان الديني أخذ خلال السنوات القلائل الأخيرة ينتظم فئات الطبقة الوسطى الواعية في المجتمع التركي. ومما يضاعف من قوة تنامي هذا التيار أنه بعد أن ثبت أن أوروبا المسيحية تنبذ تركيا فإن الصدمة لدى فئات الشعب التركي تستيقظ لاسترداد الشعور الكامن بهويتها الأصلية ـ الهوية الإسلامية.

هذا هو تفسير الشعبية الكاسحة والمتنامية لحزب «العدالة والتنمية» ذي الجذور الإسلامية وانتخاب رئيس جمهورية ذي ميول إسلامية تحرص زوجته على ارتداء الحجاب.. مما يعني أن الشعب التركي يسحب دعمه للمؤسسة العسكرية التي ظلت لدى عشرات السنين تجسد النظام العلماني الفوقي الذي أقامه كمال أتاتورك.

تأسيسا على هذا كله نقول: إنه لو كان للزعامات العربية والإسلامية أسماع وأبصار لأدركوا أن تركيا أصبحت جاهزة للتحرك صوب الشرق. وأيضا صوب روسيا.

القيادات في سوريا وإيران يبدو أنها بدأت تدرك شيئاً من هذا..

وإذا كان من المرغوب فيه عربياً وإسلامياً أن يتوسع إطار الشراكة الاستراتيجية القائمة بين دمشق وطهران لتشمل هذه الشراكة تركيا أيضا، فإن المؤشرات التي تتجمع على أفق الشرق تفتح المجال لشراكة عظمى تشمل روسيا التي أصبحت الآن تفرض نفسها وجوداً راديكالياً متصاعداً في الساحتين الدولية والإقليمية، فالذي يجمع بين هذه الدول جميعا هو مواجهة العداء الغربي بقيادة الولايات المتحدة.

في طهران تجمع هذا الأسبوع قادة دول بحر قزوين ـ بوتين روسيا ومعه رؤساء إيران وأذربيجان وكازاخستان وتركمنستان فماذا يمنع من تحول هذا التجمع إلى محور استراتيجي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل تنضم إليه سوريا وتركيا؟

بشار الأسد توجه إلى أنقرة قبل يومين. ومن المأمول أن يهرع عبدالله غول رئيس تركيا إلى موسكو وطهران قريباً.

في بيانهم أعلن قادة دول بحر قزوين تأييدهم للبرنامج النووي الإيراني من ناحية، وعدم السماح باستخدام أراضيهم لشن عدوان على أي من دولهم.

القرار الأول موجه ضد إسرائيل.. والثاني موجه ضد الولايات المتحدة. وإذا كان في الاعتبار دعوة الرئيس بوتين إلى إقامة آلية اقليمية لدول المجموعة، فإن الأمر في إجماله يبدو وكأنه تدشين لمرحلة جديدة في الصراع الدولي.