في الماضي القريب كانت الإنسانية غارقة في عصر الثورة على الظلمات والمظالم الإنسانية الثلاث، الثورة على الاستعمار سعيا للحرية وعلى الاستغلال سعيا للعدالة، وعلى الاستبداد سعيا للحقوق الإنسانية.

وفي هذا العصر الغارق في الأضواء الخاطفة للأبصار في غياب الأنوار الهادية للبصائر، انتقلت البشرية إلى عصر الثورة في العلوم والتكنولوجيا، وفي الإعلام والمعلومات والاتصالات.

وفي عصر السماوات المفتوحة التي لا تحدها حدود أو قيود، تبدو الثورة الإنسانية الأخلاقية هي الغائب الأكبر حتى يستعيد الحق مكانته في عصر انقلاب الحقائق والصور، ويستعيد الإنسان إنسانيته في عصر تعالى البنيان وتهاوى الإنسان.

وبينما تتسابق المجتمعات إلى اتخاذ مواقع متقدمة في هذا العصر سواء بالحوار أو حتى بالصراع بين الثقافات، يبقى الفارق كبيراً بين الضوء والنور، بين ضوء يبهر ليدمر ونور يهدي ليعمر، صحيح أن العلم نور والثقافة نور والإعلام نور، لكن قد ننسى أن قيم السماء هي مصدر كل نور.

وإذا كان صحيحا أنه لا تقدم بلا علم إنساني، ولا ثقافة إنسانية إلا بإنسان مثقف فإن الصحيح أيضا أنه لا جدوى من علم لا ينفع أو يدمر حياة الإنسان، ولا خير في ثقافة تضل ولا تنير طريق الإنسان، أو فكر لا يرفع يهبط بقيم الإنسان، أو فن لا يبدع ويتدنى بذوق الإنسان، أو إعلام لا يقنع ويغيب وعي الإنسان.

إن المجتمع الإنساني يتطلع إلى العالم الخير الذي تنير عقله وروحه وقلبه قيم الخير لينتج علما يعمر ولا يدمر، وإلى المثقف السوي الذي يسعى إلى الحق والخير والجمال والذي تسيطر عليه الرغبة في إصلاح العالم ليصدر للناس ثقافة بناءة تدفع على الإبداع والإنتاج.

والرأي العام يتطلب الإعلام المنير لا المضيء، ويحترم الإعلامي الموضوعي المسلح بالعلم والثقافة ليحول الصحيفة أو المجلة إلى جامعة، والشاشة المضيئة إلى شاشة منيرة.

لكن الإعلام الذي يسعى لكسب رضا الأقوياء وينافق الأغنياء ويمالئ الأعداء، ولا يهتم بقضايا ومعاناة الضعفاء ولا يتبنى قضايا الفقراء ولا يناصر الأشقاء، إنما يخالف رسالته ويخون رسالته بما يجعله شريكا في شيوع الظلم لا وسيلة لسيادة العدالة، هو إعلام فاقد للرسالة والأمانة والاحترام.

ولا ينتج الظلم بدلا من العدالة، ولا التخريب في الثقافة، ولا الكذب في الإعلام لتضليل الرأي العام، إلا عن غفلة أو جهل أو غرض شرير، ولا ينبع إلا من نبع الشر الإنساني الذي حين يفيض على نبع الخير الإنساني فقد يتفوق بمهاراته وتقنياته وأمواله وسلطاته على بحر الشر الشيطاني!

ولا يتورع الشر اللاإنساني عن قلب الحقائق فيصبح القاتل هو الضحية والقتيل هو الجاني، ويتدفق بالأفكار السامة في المقالات والكتب والروايات المغرضة، وفي الأفلام المناهضة للخير والمروجة للشر باسم الإنسانية بينما الإنسانية ليست تصالحا مع القاتل على حساب دم القتيل، وليست استسلاما للظلم على حساب الحقوق العادلة للمظلومين باسم السلام.

والعدالة الإنسانية الغائبة في الذهنية الاستعمارية حينا وفي الإعلام العالمي أحيانا، لا تمنعه من نشر الأخبار الكاذبة لتشويه صورة العرب والمسلمين، ولاعن الترويج للصور الزائفة ضد الشرفاء والأحرار من المقاومين ضد المحتلين، ولا بالاحتفال بشهود الزور الكذابين ولو أمام القضاة العادلين!

إن الذي يروج لاتهام البريء أو لتبرئة المجرم، ويناصر الظالمين طمعا في مكسب مادي أو معنوي، أو يتخاذل في نصرة المظلومين خوفا من خسارة مادية أو معنوية، هو ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالما لغيره، ويفقد مصداقيته لدى الرأي العام.

ولأن تحالف الشر لا يمكن أن يتمدد إلا في الفراغ الناشئ عن غياب تحالف الخير، ولأن الصامت على الحق شيطان أخرس، والمحايد بين القاتل والقتيل وبين الظالم والمظلوم متواطئ على الحقيقة، فإن المثقف والفنان والإعلامي الحر لا يمكن أن تكون مهمته هي الحياد أو الصمت إزاء السياسات الشريرة والعدالة الغائبة والإعلام الكاذب في هذا العالم، فهو المحامى العام لقضايا الإنسان.

mamdoh77t@hotmail.com