ليس من المبالغة في شيء القول انه برغم ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يخوض انتخابات الرئاسة القادمة في بلاده، الا ان تحركاته الأخيرة، سواء مع المستشارة الألمانية ميركل، او مع قيادات العديد من الدول اخرهم الرئيس الايراني ورؤساء الدول المطلة على بحر قزوين، سوف تؤثر بدرجة كبيرة وملموسة بالنسبة لقضايا حيوية تمس مصالح روسيا ومصالح هذه المنطقة الحيوية، بل ومصالح العالم ككل ايضا.

واذا كان من غير الممكن الفصل بين تحركات بوتين المشار اليها وبين ما انجزه في الآونة الأخيرة، سواء مع عدد من قادة دول الكومنولث الجديد الذين اختاروا مرة اخرى العودة الى دعم العلاقات - بمافيها العلاقات العسكرية - مع موسكو، او مع الصين والهند وصولا الى الشرق الاوسط، فإنه من الواضح ان الرئيس الروسي يضع حدا لما تعرضت له بلاده في اعقاب انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق من تهميش بالنسبة لقضايا دولية كان لموسكو دور وصوت مسموع فيها على نحو لا يمكن تجاهله او التقليل من اهميته وتأثيره.

ومع الوضع في الاعتبار ان موسكو ستحتاج بعض الوقت لتستعيد قدرتها على التأثير العملي في العديد من القضايا، الا انها الآن تخطت مرحلة تسجيل المواقف ورفع الصوت بالاعتراض. ولعل ماحدث خلال زيارة وزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس الأخيرة لموسكو وتهديد موسكو باتخاذ اجراءات عملية للرد على استمرار واشنطن في برنامج الدرع الصاروخية في اوروبا يعبر عن ذلك بوضوح.

على اية حال فإن اصرار الرئيس بوتين على المشاركة في قمة الدول المطلة على بحر قزوين الذي استضافته طهران، وتصريحاته بشأن نوايا الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة فرض عقوبات دولية اضافية على الجمهورية الاسلامية الايرانية ومعارضته الحازمة لذلك تكتسب الكثير من الاهمية ليس فقط بالنسبة للجمهورية الاسلامية الايرانية ولكن ايضا بالنسبة للمنطقة ككل.

وذلك انطلاقا من ان المنطقة التي تمس، بما يجري فيها، مصالح كل القوى في العالم باشكال متعددة تحتاج الآن، وربما اكثر من اي وقت مضى، الى تحقيق الاستقرار والى الحد من التوتر والى ابعادها عن اية تهديدات ومواقف غير محسوبة بدقة من هذا الطرف او ذاك. ومن المأمول ان تصب التحركات الروسية في هذا الاتجاه على نحو او آخر.

جدير بالذكر ان عالم اليوم الذي لا يحتاج الى العودة على اي نحو الى مرحلة الحرب الباردة السابقة، وما شهدته من استقطاب دولي حاد، يحتاج بالتأكيد الى الاستماع الى كل الاصوات والى بحث كل وجهات النظر التي تطرحها مختلف القوى الدولية للخروج بأفضل رؤية، وللتوصل الى انسب الخيارات التي تحقق السلام والامن والاستقرار لهذه المنطقة وللعالم من حولها ايضا عبر تسوية كل الخلافات بالوسائل السلمية وبما يضمن لشعوب المنطقة حقوقها المشروعة والمعترف بها في التقدم وامتلاك التقنية النووية السلمية. وبناء حاضرها ومستقبلها على النحو الذي تريد ايضا.

وفي هذا الاطار فإنه اذا كانت التطورات على الصعيدين الدولي والاقليمي تستغرق في العادة بعض الوقت حتى تتبلور، الا انه من الواضح ان العالم يتجه نحو مرحلة جديدة لا تستطيع فيها قوة دولية منفردة فرض خياراتها على المجتمع الدولي ككل. ومع اهمية هذا التطور الا انه من المهم والضروري ان تتمكن القوى الدولية ذات التأثير من العمل معا لصالح السلام والاستقرار في كل ربوع العالم وبما يعيد للقانون الدولي وللامم المتحدة اعتبارها واحترامها ايضا وهو ما تتمناه كل شعوب العالم دون استثناء بغض النظر عن حسابات الساسة وتصوراتهم لمصالحهم الخاصة.