قبل أن يصبح باولو كويلو كاتب البرازيل الأشهر، كان مجرد مؤلف أغانٍ شعبية، وإنساناً هيبياً يبحث عن إجابات صعبة لأسئلة كونية أصعب، فاختار أن يضع إجاباته على لسان وسير أبطال روايات قام بتأليفها ابتداء من عام 1986، ليتحول إلى ظاهرة حقيقية في عالم النظر والكتابة، فهذا الكاتب البسيط جداً والعميق جداً مقروء له في 150 دولة وبـ 51 لغة، وقد طبع من كتبه أكثر من 40 مليون نسخة.

ينسج كويلو خيوط إجاباته باطلاعه على فلسفات إنسانية عميقة تمد جذورها في الديانات الثلاث الكبرى، ويعيد من خلال ذلك استكشاف أعماق النفس الإنسانية في رحلة خاصة يغوص من خلالها في تناقضات الإنسان الذي يوضع غالباً ويضع نفسه أحياناً أمام خيارات صعبة وحاسمة ليستحق مصيره وقدره وسط اختبارات في المشاعر والرؤى تجعله دائماً معرضاً لخضات من القلق والحيرة والشقاء واليقين والسعادة و...إلخ.

في روايته (فيرونيكا تقرر أن تنتحر) يطرح الكاتب أسئلتنا جميعاً، تلك الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا يومياً، خاصة حين تضيق الطرقات، ولا يكون في الأفق ضوء قنديل صغير يمنحنا شيئاً من الأمل، ألا تسألون ساعتها: لماذا الحياة ولماذا الصراع ولماذا الاستمرار في رحلة اللهاث؟ ألا تسألون عن مغزى كل هذه الجهود والإنجازات الإنسانية طالما بقيت الحرب والدمار يعبثان بشكل لا أخلاقي بقيمة الحياة وحقوق الإنسان؟

وهكذا تموت لأنه لم يبق هناك شيء تعيش لأجله. فابتلعت كمية كبيرة من الأقراص القاتلة! هكذا اختارت أن تنهي حياتها من دون أن تكلف نفسها سؤالاً استباقياً مهماً: وماذا رأيت من الحياة لأقول إنني عشت بما فيه الكفاية؟ أو كم حجراً دست في هذه الدنيا لأقرر بأنني مشيت دروب الحياة حتى مللتها؟!.

وفجأة تكتشف بطلة الرواية أنها لم تمت أو أن المحاولة انتهت بها إلى مستشفى للأمراض العقلية، خاصة حين وجدت الشرطة بجانبها وهي مغمي عليها رسالة إلى صحيفة كانت تراسلها مكتوب فيها: انتحرت ليعرف العالم أين تقع مدينتي! وفي المستشفى تعيش تجربة أخرى مع أناس مختلفين تماماً، وتبدأ بمواجهة ذاتها يظللها سؤال أكبر: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد حياته في الوقت الضائع؟ ذلك أنها بعد أن نجت من محاولة الانتحار اكتشفت أنها مصابة بداء في القلب لن يمهلها أكثر من أسبوع!.

في المستشفى اكتشفت أن بداخلها شخصاً آخر لم تسمح له بالظهور والتعبير عن نفسه طيلة 24 عاماً، لقد أعطتها تجربة مستشفى المجانين الفرصة لتعيش مشاعر لم تكن تسمح لنفسها يوماً أن تتملكها: الحقد، الخوف، الفضول، الحب والرغبة، كانت تقضي أيامها مستسلمة للرضا، فهي جميلة جداً، ومعشوقة من قبل عدد كبير من الشباب، وتحظى بأسرة محبة، ولا ينقصها شيء، إذن فلماذا تكره وتخاف و...؟

في المستشفى اكتشفت أن الإنسان حين يكون معلقاً بين الموت كحقيقة مرئية وبين الحياة كحقيقة صاخبة، يكتشف وجوده الحقيقي فعلاً، ويعرف حكمة الاختيار، فيصبح أكثر إقبالاً على الحياة من أي وقت مضى، لأنها تصبح خياراً وليس مجرد تحصيل حاصل!

غالباً ما يضيّع الإنسان فرصاً لا تعوض تتقبض على ذاته وزمنه وعلى دفق الحياة في القلب، وغالباً ما يقف عند مفترق الطرق لا يعرف ماذا يختار، فيجري وراء اختيار الآخرين بعقلية القطيع: يختار ما يريده له الآخرون أو ما يفضله الآخرون كي يكون معهم، خوفاً من الوحدة والعزل، وربما خوفاً على ما عند القطيع!.

لقد فهمت فيرونيكا حكمة الاختيار باعتبارها حكمة الوجود وباعتبارها الحكمة الأصعب التي يشيح الكثيرون عنها لأن تكاليفها باهظة جداً.. لكنها الحكمة الوحيدة التي بإمكانها أن تمزق حجب ثقافة القلق واليأس والذوبان في بحر الخيارات الضيقة!