التلاعب بأجهزة الإعلام الغربية والعربية باستخدام البروباجندا الدعائية، وإتباع الألاعيب الإعلانية لا الإعلامية لقلب الحقائق بالتهويل والتهوين، والتعتيم والتلوين، والتحريف والتزييف، والترويع والتلميع، التي تستخدمها قوى الهيمنة الكبرى ضد المناهضين لسياساتها الاستعمارية ولإخفاء الحقائق والتغطية على مخططاتها الشريرة باتت مكشوفة للرأي العام العالمي من كثرة تكرارها في أكثر من مكان وزمان وقضية خاصة إذا كانت قضية عربية أو إسلامية.
يؤكد ذلك مقال نشره موقع جلوبال «ريسيرش لدراسات العولمة» الأميركي تحت عنوان «الكذبة لم تسقط» كشف كاتبه «بول فوت» ازدواج المعايير فى تغطيات صحيفة أميركية واحدة هي «نيويورك تايمز»، ورصد خدمات البروباجندا والتلاعب الرسمي بالأخبار، التي تظهر واضحة وبطريقة درامية في تغطيات إسقاط الطائرات المدنية.
فبينما كانت هستيرية عندما أسقط السوفييت الطائرة المدنية الكورية في نهاية أغسطس عام 1983، حيث نشرت 270 مقالا و2789 بوصة من الأعمدة خلال سبتمبر التالي فقط، مع توصيف تحريري للحادث بوصف «قتل جماعي بدم بارد»، (انظر افتتاحية الصحيفة بعنوان «الكذبة لم تٌسقط» بتاريخ 18 /1/ 1988)، كانت ويا للعجب في تغطيتها للجريمة الإسرائيلية الشنيعة بالإسقاط المتعمد للطائرة المدنية الليبية فوق سيناء في فبراير عام 1973، أقل من باردة أو مغمضة العينين فلم تقم بأي تحقيق في القضية، وتم «إسقاط» الكذبة «على أساس معلومات تجمعت من خارج نطاق الإعلام، وعلى الرغم من أن الإسرائيليين كانوا يعرفون بأنهم أسقطوا طائرة مدنية، فإن النيويورك تايمز لم تبد أي قدر من الاستهجان.
.. وهكذا رأينا الصحيفة تكتب في افتتاحية حول الجريمة «لا جدوى من هذا الجدال المر بخصوص تحميل إسرائيل المسؤولية واللوم في إسقاط الطائرة الليبية»، والأدهى أنه خلال أسبوع واحد من إسقاط الطائرة، كان رئيس وزراء إسرائيل محل ترحاب في واشنطن ولم يواجه أية أسئلة عن المسؤولية وبشكل أو بآخر أخذت الأمم المتحدة و«المجتمع الدولي» يستجيبون بطريقة تتماثل مع ما تراه صحيفة النيويورك تايمز والحكومة الأمريكية فيما تراه ذا جدوى.
بينما في حالة «لوكيربى» كان المنظور السياسي لاتهام ليبيا واضحا فالطائرة الأميركية فجّرت بعد مرور خمسة أشهر ونصف من إسقاط البحرية الأمريكية بصورة متعمدة لطائرة حجاج مدنية إيرانية في الخليج وقتل في الحادث 290 مواطنا إيرانيا، وأصبحت فرضية قيام إيران بعمل ثأري ممكنة، وتم دعمها بإدعاء مفبرك، لم يقدم له دليل، مفاده أن إيران عرضت جائزة لمن ينتقم.
ولكن فجأة حدث توافق ما بين المحققين بأن الاتهام المطلوب سيكون للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل المقيم بسوريا المتحالفة مع إيران للابتزاز المزدوج. ولكن .. ضمن سياق الحشد لحرب الخليج الأولى،لاذ الغربيون بالصمت حيال الزعم بالعلاقة السورية الإيرانية بالحادث، ثم تبع ذلك التحول السريع من «دليل قاطع» بتورط الجبهة الشعبية إلى «دليل قاطع» بتورط ليبيا.
وكما لاحظ الباحث «بول فوت». «الدليل ضد الجبهة الشعبية والذي تم ترتيبه بكل عناية كان مثيرا بصورة مدوية ثم وبكل هدوء تم التخلص منه في سلة المهملات»!! انظر كتاب: لوكربي، الهروب من العدالة «مجلة برايفت آي، مايو/ يونيو 2001. ص. 10.
ويقول الباحث «فوت» إن ليبيا كانت بمثابة متهم مناسب لدفع التعويضات بدلا عن ألبان أميركان، فلقد كانت على القائمة الأمريكية البريطانية الخاصة بالمطلوب محاصرتهم لإزاحتهم بجهود تستهدف «تغيير النظام»، وتحظى بعداء صريح بسبب استقلاليتها، ودعمها لقوى التحرر كالمقاومين الفلسطينيين أو الوطنيين الأفريقيين و«مانديلا» لمقاومتهم النظام الاستيطاني العنصري ودعمها لكل المناهضين للغرب.
وهكذا كانت ليبيا مناسبة جدا لتلفيق الاتهام الذي انكشف أخيرا، وحدث ذلك على الرغم من أن العديد من الخبراء والمراقبين بمن فيهم بعض أعضاء عائلات الضحايا، كانوا يرون بأن المحاكمة لم تكن سوى لعبة سياسية ومهزلة قضائية لم ينتج عنها إلا إدانة غير مثبتة وغير عادلة.