تحذير الرئيس بوش من احتمال اندلاع «حرب عالمية ثالثة»، بسبب النووي الإيراني؛ كان له وقع الصدمة. مجرد التلفظ بهذه العبارة يثير الخشية. بل الهلع. يستحضر سيرة وشريط حربي القرن الماضي بما رافقهما من فظائع ومآس وإتلاف؛ كانت وبالاً على البشرية.
ويأخذ الموضوع شحنة إضافية من الاهتمام والجدية، كونه صادرا عن رئيس الولايات المتحدة الأميركية. وعن الرئيس بوش بالذات صاحب حربين، خلال ست سنوات. كذلك كونه صدر في هذه اللحظة بالذات، حيث يتواتر الكلام عن عمل عسكري محتمل وربما وشيك، ضد إيران. في حين أن آخر ما تحتاجه المنطقة، هو انفجار نزاعات عسكرية جديدة؛ وأن العالم اختبر مثل هذه الحروب وهو بالتأكيد ليس بحاجة إلى تجربة جديدة من هذا النوع.
لا شك أن موضوع أسلحة الدمار وخطر انتشارها، يشكل أحد هواجس عالمنا الراهن. خاصة النووي منها. طبيعته الفتاكة تثير الرعب. وبالتالي هو جدير ببذل الجهود لمعالجته والتحكم به قبل انفلاته من تحت السيطرة. وذلك يحتاج إلى أوسع تعاون دولي ممكن. كما لا ريب أن التأزيم الذي بلغه الملف النووي الإيراني يستدعي مضاعفة الجهود؛ لاحتوائه وتخفيف حدة التوتر بشأنه، بين طهران والغرب؛ وبالتحديد واشنطن. وقد جرت محاولات عديدة، في هذا الخصوص. ولا تزال جارية.
كما أن الباب لم يقفل نهائياً بوجهها. وآخرها كان على يد الرئيس بوتين الذي، تناقلت الأنباء انه طرح، قبل يومين وخلال لقائه مع المرشد الأعلى في طهران، علي خامنئي؛ صيغة لمخرج سلمي للأزمة. وقيل إن القيادة الإيرانية تنظر فيه. وكان الرئيس الروسي قد حذر قبل وصوله إلى طهران، من الاندفاع إلى الخيار العسكري؛ مشيراً إلى أن المسألة تحتاج إلى «الصبر»؛ وان الحل يكمن في الحوار.
كلام من هذا النوع، صادر عن الرجل الذي تربطه بطهران أقوى الصلات؛ وأثناء زيارته الأولى لإيران؛ يحمل على الاعتقاد ـ ومن غير مجازفة ـ بأن صاحبه، بما له من ثقل لدى القيادة الإيرانية، قد نزل إلى معمعة الحل الدبلوماسي؛ لموضوع النووي الإيراني. بل، على الأرجح، قد طرح تسوية لا ترفضها إيران. وإلا لما كان وضع رصيده في الميزان.
طبعاً الرئيس بوتين له حساباته. انخراطه شخصياً ينطوي على رسالة إلى أميركا والغرب، مفادها أن حلّ النووي الإيراني يمر بموسكو. إذا كان المطلوب العنب وليس الناطور؛ فلا بأس بذلك. وعليه كان اللازم إبداء الترحيب والتشجيع بمبادرة موسكو وتحركها على هذا المستوى؛ لتجاوز هذه المشكلة وبالتالي تجاوز الخلاف من دون مواجهة عسكرية.
على الأقل كان المفترض إعطاء مبادرة ودور بوتين الفرصة والوقت اللازمين لتركها تأخذ مجراها. لكن أن يطلع الرئيس بوش، بدلاً من ذلك، ويتحدث ـ ولو من باب التلويح أو الافتراض ـ عن حرب عالمية ثالثة؛ فذلك يطرح أكثر من علامة استفهام.
في السابق كان الرئيس الأميركي يعمد إلى التلويح بالخيار العسكري، بالتلميح من خلال تكراره لعبارة إن واشنطن تحتفظ بكل الأوراق والخيارات. الآن فجأة يحذر من حرب عالمية! تحذير وبهذا الحجم يدعو إلى الاستهجان.
لم تصل الأمور إلى الحائط المسدود بعد. وحتى لو وصلت؛ لا يستحق الأمر الذهاب بالعالم إلى حرب مدمرة. حتى لو كان في ذلك محاولة إرباك للوساطة الروسية؛ فإن الرئيس بوش قد ذهب بعيداً في خطابه. أم أنه لم يبق شيء لديه غير الحروب؟
