السؤال مطروح والملف مفتوح منذ تولي الرئيس ساركوزي مقاليد الحكم في باريس وبحدة مثيرة، ولكن الملف ليس جديداً بل ان وزير الخارجية الفرنسية الأسبق الراحل ميشال جوبير كان قد ناضل من أجل استقلال الدفاع الأوروبي بحماس وطالما حدثني شخصياً حين كنّا نترافق على مدى سنوات عن ضرورة واستعجال خروج الاتحاد الأوروبي من عباءة الناتو والمظلة الأميركية.
ولباريس في هذا الملف بالذات تقاليد تاريخية عريقة، حيث ان الجنرال ديغول كان أول رئيس فرنسي ينسحب ببلاده من حلف شمال الأطلسي في ضجة دبلوماسية وإعلامية كبرى عام 1966 حين شعر أن الحلف أصبح يتدخل في شؤون فرنسا العسكرية والسياسية وطرد الجنرال من بلاده قاعدة الناتو التي استقرت في ألمانيا.
هذه هي عقيدة فرنسية ثابتة تعتمد على مبدأ أن الدفاع عن أية بلاد موكول أساساً لدولتها وشعبها، وهي عقيدة لم تتغير مع تداول الرؤساء رغم أن باريس كانت قبلت مرغمة في ابريل 1949 إنشاء حلف شمال الأطلسي والرضى بالحماية النووية الأميركية، لكن باريس بعد حصولها على السلاح النووي منذ 1953 وتسلم الجنرال ديغول رئاسة جمهوريتها عام 1958 تغيرت مواقفها في ملف الناتو باسم ما كان الجنرال يسميه: عظمة فرنسا.
واليوم تعود القضية بقوة إلى جدل سياسي داخل قصر الإليزيه ومعابر البرلمان وعلى وسائل الإعلام كأنما جاء الرئيس الجديد ليلقي بحجر في المياه الآسنة للعلاقات الدولية بين باريس والولايات المتحدة والعالم، لأن أهم محور مطروح من خلال هذا الملف هو في الواقع المتعلق بالعلاقات الفرنسية الأميركية.
خاصة وأن واشنطن كما قال كاتب افتتاحية نيوزويك الأسبوع الماضي ليست مطمئنة لنوايا باريس عندما ستؤول رئاسة الاتحاد الأوروبي لفرنسا في يوليو المقبل. فالولايات المتحدة تمارس لا أقول هيمنتها بل تفوقها على الأقل على حليفاتها الأوروبيات بواسطة جهاز الناتو وهو جهاز عسكري عتيد يخضع للقيادة الأميركية ويشن حرباً حقيقية هذه الأيام في أفغانستان وجل الدول الأوروبية والحليفة تدرك أنها حرب أميركية أساساً وتريدها الإدارة الأميركية الراهنة.
وفي يوم الجمعة الماضي نشر الأدميرال الفرنسي (جاك لانكساد) رئيس أركان الجيش الفرنسي سابقاً والدبلوماسي سابقاً أيضاً على صفحات يومية لوفيجارو الباريسية مقالاً يعتبر إشارة إلى الموقف الفرنسي في هذا الشأن، حيث أكد أن إنشاء قوة عسكرية أوروبية موحدة يمكن ألا يتناقض مع الانتماء للناتو بل أضاف الأدميرال بأن الجهازين بإمكانهما التنسيق والتكامل في إدارة أزمات عالمية مقبلة.
ولكن هذا القائد العسكري المتمرس قال إن حلف الناتو يشكل قوة حربية هائلة ومتطورة، لكنه يفتقد الآليات غير العسكرية لمواجهة الأزمات.
والأدميرال يقصد بالطبع الآليات الدبلوماسية والاستراتيجية والسياسية المختلفة التي يحتاجها كل من يدخل حرباً أو يعالج أزمة دولية أو إقليمية. وهنا فإن الأدميرال يردد بلسان الخبير النظرية نفسها التي يدافع عنها رئيسه نيكولاي ساركوزي بلسان المسؤول منذ كان مرشحاً للرئاسة، ألا وهي عقيدة الدفاع الأوروبي الموحدة الذي لا يعوض بسرعة قوة الناتو بل يكون لها سنداً سياسياً.
اللعبة حساسة جداً إذن وفي غاية الحساسية لأنها تتجاوز مجرد إرادة إنشاء قوة عسكرية أوروبية إلى إرادة أعلى وأرفع وهي السعي الفرنسي الجديد إلى الوقوف نداً لند مع الراعي الأميركي في مطلع القرن الحادي والعشرين، لكن مع توخي الحذر واللباقة الدبلوماسيين .
ومن جهته صرح لنا السيد (نوفو سيفريانو تكاسيرا) وزير الدفاع الوطني البرتغالي قائلاً: يجب أن يسبق إنشاء قوة عسكرية أوروبية توحيد مواقفنا السياسية إزاء القضايا والأزمات الدولية الراهنة، فنحن الأوروبيين نختلف مثلاً في التعاطي مع ملف الشرق الأوسط ومعالجة المعضلات الإفريقية، فكيف ستكون لنا قوة موحدة قادرة على التدخل والمشاركون فيها لم يحددوا موقفاً واحداً في علاقاتهم الخارجية.