في مقال سابق تكلمنا عن اكتمال البنية التشريعية والتنظيمية للفضاء الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة بصدور ميثاق أخلاقيات المهنة ومشروع قانون النشر والمطبوعات الجديد وقرار إلغاء حبس الصحافيين الذي اتخذه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
جميل أن تتحقق هذه الانجازات وجميل أن تكتمل القوانين والتشريعات والمواثيق؛ لكن الأجمل أن تطبق هذه القوانين والمواثيق على أرض الواقع.
فالقانون على الورق شيء وتطبيقه في الواقع شيء آخر، ونفس الشيء بالنسبة لميثاق الشرف وأخلاقيات المهنة والعمل الصحافي. فالأخلاق هي قناعة شخصية وممارسة يومية نزيهة ونظيفة يؤمن بها الصحافي ويعمل بها ويدافع عن مبادئها.
وإذا غابت القناعة والإيمان بالأخلاق فمواثيق الأخلاق لا تستطيع أن تغّير أشياء كثيرة في الميدان. فالقوانين والمواثيق لا قيمة لها إذا لم تطبق وإذا لم تجسد في أرض الواقع. فالإعلام القوي والملتزم والفعال يحتاج إلى الإطار التشريعي والقانوني والأخلاقي من جهة، ومن جهة أخرى يحتاج كذلك إلى بيئة ملائمة ومجتمع مدني قوي وفعال لممارسة حرية الصحافة وحرية الفكر والتعبير.
فالإعلام هو مرآة المجتمع يعكس ما يحدث فيه وهذا يعني أن المجتمع بأسره من الفرد إلى الأسرة إلى قمة هرم السلطة مطالب بالإيمان الراسخ والاقتناع بحرية الصحافة، وبالرأي والرأي الآخر وبالنقد وبثقافة الحوار والنقاش والنقد والنقد الذاتي.
مجتمع يؤمن بتداول المعلومة وتوفير المعلومة بدون حجبها والمساومة بها واستعمالها كوسيلة للابتزاز والاستغلال. حرية الصحافة سلوك وفعل وتصرف قبل أي شيء آخر، وهي ممارسة في الميدان وتجسيد للقوانين والمواثيق والقيم والمبادئ في أرض الواقع.
ممارسة حرية الصحافة تحتاج إلى مجتمع مدني فعال وقوي، وهذا يعني قوى فاعلة في المجتمع تنتقد وتراقب وتمارس حقها في المعرفة والتعبير عن الرأي والرأي الآخر والاختلاف...الخ. المجتمع المدني هو القوة الحقيقية في المجتمع التي توفر الجو المناسب والمناخ الملائم للمؤسسات الإعلامية حتى تقوم بمهامها ودورها ووظائفها في المجتمع على أحسن ما يرام.
وهذا يعني أن هناك كتابا ومحللين ونقادا وسياسيين وجمعيات واتحادات ونقابات من مختلف التيارات والأطياف السياسية والاجتماعية والثقافية، كل بطريقته وحسب اختصاصه، يساهم في الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في المجتمع بهدف بناء فضاء حر وديمقراطي، الكل يساهم فيه والكل يستخدم المؤسسات الإعلامية كقنوات لتبادل الأفكار والآراء ووجهات النظر بكل شفافية وحرية وديمقراطية.
تجسيد حرية الصحافة في أرض الواقع بحاجة إلى تشريعات وقوانين ومواثيق شرف وأخلاقيات المهنة ، لكن هذا لا يكفي فالأمر يتطلب ممارسة هذه الحرية من قبل أفراد المجتمع ومن قبل مكونات المجتمع المدني.
وعلى رأس القائمة السلطة نفسها، فالسلطة لا يجب أن تقنن لحرية الصحافة وتوّفر المناخ التشريعي والقانوني لهذه الحرية، لكن في كثير من المجتمعات نجد ان السلطة هي أول من يخترق مبدأ الحرية حيث أنها لا تتقبل النقد ولا توفر المعلومات كل المعلومات بل تقدم ما يحلو لها وتحجب ما يزعجها أو ينتقدها أو يكشف سلبيتها. وأكثر من هذا نجدها تفرض سيطرتها على المؤسسات الإعلامية بطرق مختلفة لتتحكم في مخرجاتها وفي الخطاب الإعلامي، وفي هذه الحالة تبقى القوانين والتشريعات والمواثيق حبرا على ورق، مجرد ديكور ووعاء شكلي لا غير.
فالتغطية الدقيقة للأحداث والوقائع والقضايا تحتاج إلى توفر المعلومات وتداولها بكل حرية وبدون تكتم أو تعتيم وبشفافية عالية وللجميع وهذا ما يسمح للصحافيين بالقيام بعملهم بدقة متناهية ويساعدهم على تجنب الأخطاء والهفوات واللجوء إلى التضخيم والتخمين والإشاعات. فمصادر الأخبار يجب أن تؤمن بحرية الصحافة وبحرية تداول المعلومات حتى يستطيع الصحافي القيام بعمله على أحسن وجه ويستطيع أن يجسد حرية الصحافة في أرض الواقع.
وهنا يجب أن نطرح إشكالية محورية عندما نتكلم عن حرية الصحافة وهي علاقة الصحافي بمصادر الأخبار وهل هناك قوانين تجبر مصادر الأخبار ـ وزارات، دوائر حكومية، مؤسسات عامة وخاصة ـ على توفير المعلومة وتقديمها للرأي العام وعدم حجبها أو إخفائها أو التلاعب بها لأن هذا التصرف يعتبر جريمة ومخالفة في حق القانون. هل يعاقب القانون الجهة التي تخفي المعلومة أو تتلاعب بها؟
ففي الكثير من الأحيان توصد الأبواب في وجه الصحافي، وفي أحيان أخرى يُهان ويُشتم ويُطرد من موقع الحادثة؛ وإذا كتب الصحافي بالإيجاب والمدح والتسبيح فيُشكر ويُكرم، أما إذا انتقد وكشف العيوب والتجاوزات فيصبح العدو اللدود ويصبح المفتري والفضولي الذي لا يعرف حدوده، ويتهم بأنه يبحث عن الإثارة و«البق الصحافي» وصاحب المشكلات والتجاوزات.
ففي ظل هذه الذهنية وهذه العقلية وهذا المناخ غير الصحي وغير السوي فإن القوانين والمواثيق لا تشفع لصحافة حرة، قوية تلعب دورا فعالا وملتزما ومسؤولا في المجتمع.
حرية الصحافة في المجتمع ليست مسؤولية الصحافي وحده ولا المؤسسة الإعلامية وحدها، وإنما هي مسؤولية المجتمع بأسره، وخاصة السلطة ومصادر الأخبار والمجتمع المدني. فإذا كانت السلطة تريد صحافة حرة لكن بدون نقد وبدون مراقبة وبدون كشف العيوب والسلبيات وبدون استقصاء التجاوزات والغوص في القضايا الحساسة في المجتمع؛ فهذا يعني أن الحرية هنا مفصلة وفق مصالح فئة على حساب المجتمع.
وإذا كانت الجهات المختلفة في المجتمع ترحب بصحافة التمجيد والتهليل وذكر الإيجابيات وتعتبر كل ما ينتقدها أو يكشف عيوبها هراء وافتراء وخروج عن القانون وبحث عن الإثارة والتضخيم والسبق الصحافي، ففي هذه الحالة يبقى الكلام عن حرية الصحافة وعن قانون النشر والمطبوعات ومواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة مجرد شعارات جوفاء.
من جهة أخرى نلاحظ أن الفضاء العام بحاجة إلى كل القوى المختلفة والفاعلة في المجتمع للمشاركة فيه وإثرائه، وهذا يعني إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن أرائه وأفكاره ومعتقداته. فمنع كتاب معينين أو جهات محددة من الكتابة أو المساهمة في المؤسسات الإعلامية أو الفضاء العام يتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير والفكر.
فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، والاختلاف في الرأي هو في الحقيقة هو صفة حميدة وثروة تساهم في عملية الوصول إلى الحقيقة عن طريق الحوار والنقاش وتوفير السوق الحرة للأفكار ومن ثم الرأي السليم.
فإذا خلصنا إلى القول في مقال الأسبوع الماضي إن الكرة في ملعب الصحافيين لأن الحرية تؤخذ ولا تعطى، ففي هذا المقال نقول إن الكرة في ملعب المجتمع المدني كذلك وفي ملعب مصادر الأخبار والمعلومات وفي ملعب السلطة حتى توفر المناخ اللازم للممارسة الحقيقية والميدانية لحرية الصحافة. والكل يجب أن يؤمن في آخر المطاف ويتبنى حرية الصحافة قولا وفعلا، أي ليس على مستوى القوانين والمواثيق فحسب، وإنما في الممارسة كذلك، ابتداء من الفرد إلى الأسرة إلى المؤسسة والسلطة.
فإشكالية حرية الصحافة مطروحة في جميع دول العالم، والكل يتغنى أنه يمجدها ويؤمن بها لكن الممارسة تأتي في حالات كثيرة على عكس الأقوال والقوانين والمواثيق؛ حيث تُغتصب حرية الصحافة من قبل السلطة ومن قبل المتلاعبون بالعقول ومن قبل أباطرة المال والسياسة الذين يعملون من أجل السيطرة على وسائل الإعلام للتحكم في عقول الجماهير ومن ثم الرأي العام، وفي نفس الوقت يتغنون بقانون الإعلام وبمواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة وبحرية الصحافة.
كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة