قبل أيام كشف ويسلي كلارك القائد السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عن أن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش وضعت خطة استراتيجية منذ وصولها إلى سدة الحكم عام 2000 تتضمن شن حروب ضد سبع دول في الشرق الأوسط بغية تغيير أنظمتها الحاكمة، في مطلعها العراق وسوريا وإيران.

وقبل سنة تقريباً كشفت دراسة أعدها اثنان من علماء العلاقات الدولية في الولايات المتحدة وهما جون ميرشايمر وستيفن والت بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة والخارجية الأميركية» عن أن واشنطن خاضت حرب العراق أساساً لصالح إسرائيل قبل أي أهداف أخرى.

وفي هذه الدراسة التي أحدثت جلبة قوية في دوائر البحث العلمي وصنع القرار في الولايات المتحدة ما يؤكد بشكل قاطع أن اللوبي الإسرائيلي كان المحرض الأول والأساسي على ضرب العراق واحتلاله وإسقاط نظام صدام حسين، إذ تقول الدراسة «عملت الحكومة الإسرائيلية والجماعات الموالية لها في أميركا معاً لتشكيل سياسة الإدارة الأميركية حيال العراق وسوريا وإيران جنباً إلى جنب مع إرساء دعائم خريطة الشرق الأوسط الكبير.

ربما لم تكن ضغوط إسرائيل واللوبي هي العامل الوحيد وراء قرار احتلال العراق، إلا إنها كانت عاملاً حيوياً مهماً. ويعتقد بعض الأميركيين أنها حرب من أجل النفط، لكننا بالكاد نجد دليلاً يدعم هذا الادعاء، إنما هناك في المقابل دليل على أن الدافع وراء حرب العراق في الجانب الرئيسي منه كان الرغبة في تأمين أفضل لإسرائيل».

وإذا أمعنا النظر فيما أورده هذان الباحثان الشجاعان نجد أنه الأقرب إلى المنطق والواقع، فقد كان بوسع واشنطن أن تحصل على نفط العراق من دون حرب.

وهناك وثائق تتحدث عن إبداء صدام حسين رغبته في أن يمد الولايات المتحدة بأي كمية تريدها من النفط وبأسعار تفضيلية مقابل رفع الحصار عن بلاده أو التخلي عن فكرة إسقاط نظامه، وهناك أيضاً سلوكيات تبرهن على صدق هذا، إذ إن العراق تحت حكم صدام كثيراً ما اتخذ قرارات زيادة حجم انتاجه وصادراته النفطية في وقت كانت فيه أوبك تنادي بتقليص الإنتاج من أجل رفع الأسعار أو وقف تدهورها، واستفادت أميركا وحلفائها في الغرب من هذه الخطوة.

كما أنه ليس من المعقول أن نعتقد في أن احتلال العراق كان بهدف التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام بعد أن كشف وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول عن أن كل ما عرضه في أروقة الأمم المتحدة من صور وأفلام ورسوم عن مواقع هذه الأسلحة كان مزيفاً من قبل المخابرات المركزية الأميركية، وأن واشنطن كانت واثقة قبل الغزو من أن صدام لا يمتلك أي سلاح غير تقليدي.

من هنا لا يبقى من أهداف غزو العراق سوى الحفاظ على أمن إسرائيل، وهي مسألة عبر عنها بجلاء فيليب زيليكو المستشار الحالي لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس حين قال: «إن التهديد الحقيقي من العراق لم يكن تهديداً للولايات المتحدة، بل تهديد لإسرائيل»، وزادها رسوخاً قول ديك تشيني نائب الرئيس بوش قبيل الحرب: «تلح إسرائيل على المسؤولين في الإدارة الأميركية ألا يؤجلوا الهجوم العسكري على عراق صدام حسين».

وهذه تصريحات تتلاقى مع مثيلتها التي تفوه بها مسؤولون إسرائيليون وقتها، فها هو شيمون بيريز يقول: «الحملة ضد صدام حسين أمر واجب»، وها هو بنيامين نتانياهو يؤكد أنه «لا يوجد اليوم ما هو أقل من القضاء على نظام صدام».

وها هو إيهود باراك يبدي اعتقاداً في أن «الخطر الأكبر يقع في عدم اتخاذ إجراء ضد صدام»، ويصل الأمر إلى ذروته بتأكيد أرييل شارون أن «التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة قبل غزو العراق وصل إلى أبعاد غير مسبوقة».

اليوم تعيد إسرائيل الكرة، وتوجه تحريضها ضد إيران، والذي بدأ قبل غزو العراق نفسه حين تأكدت إسرائيل من أن قرار إزاحة صدام قد اتخذ ولا رجعة فيه، فها هو وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بنيامين بن اليعازر يقول قبل شهر من اجتياح العراق لأحد الصحافيين: «العراق مشكلة، لكن عليك أن تفهم إن سألتني أن إيران أكثر خطراً من العراق»، وقبله كان شارون يروج أن «إيران هي مركز الإرهاب في العالم»، وطالب بوش بأن «يمد ذراعه العسكرية إلى إيران في اليوم التالي لاحتلال العراق».

وفي أواخر الشهر الذي سقطت فيه بغداد طالب السفير الإسرائيلي في واشنطن بتغيير النظام في إيران، قائلاً: «إزاحة صدام ليس كافياً وعلى أميركا أن تتابع مهمتها»، وفي الشهر التالي عقد مؤتمر علمي حول إيران شاركت فيه مؤسسات أميركية مقربة من «اللوبي الإسرائيلي»، كان المتحدثون فيه من المخلصين لإسرائيل، وطالبوا جميعاً بتغيير النظام في إيران.

وبعدها انهمر سيل من المقالات والتحليلات في مختلف الصحف والمجلات الأميركية التي تتحدث عن «الخطر الإيراني» و«إيران النووية»، تزامن مع تصريحات خرجت من تل أبيب تؤكد أن إسرائيل لن تصمت حيال استمرار إيران في طريقها النووي.

ويلخص ميرشايمر ووالت المسألة برمتها في عبارة دالة تقول: «ليس غريباً أن تعرب إسرائيل ومؤيدوها في أن تتعامل أميركا بحسم مع أي وكل تهديد يمس أمنها، فإذا نجحت جهودها في تشكيل السياسة الأميركية لصالح هذا الهدف، فإن أعداءها سوف يضعفون أو حتى يستبعدون من المعادلة، ولسوف تحصل إسرائيل على حرية التعامل مع الفلسطينيين، ولسوف تقوم أميركا نيابة عن الإسرائيليين، بالجزء الأكبر من القتال والموت وإعادة الإعمار».

إن هذه المعلومات والاستنتاجات تحتاج من الدول العربية عناية فائقة وتركيزاً شديداً، قبل أن تجرهم الولايات المتحدة لحرب ضد إيران، لا ناقة للعرب فيها ولا جمل، وضررها عليهم أكثر من نفعها. فمثل هذه الحرب ستؤدي إلى إلحاق خسائر مادية بالعديد من دول الخليج، وستؤدي كذلك إلى تقوية شوكة العدو الرئيسي والتاريخي للعرب وهو إسرائيل، التي ستبدأ فور ضرب إيران وإضعاف قدراتها العسكرية في التحريض على بلد آخر، على الأرجح سيكون سوريا، ثم تتوالى السلسلة الجهنمية التي كشف عنها القائد السابق لحلف الناتو.

والبديل لكل هذا هو استغلال العرب اللحظة التاريخية الراهنة في بناء جسور قوية للتحاور مع إيران لدفعها إلى عدم النيل من المصالح العربية، وعدم اغتيال عروبة العراق أو سيادته الوطنية ووحدة أراضيه، وعدم التدخل في أي شأن عربي على أساس مذهبي.

وترك هذه الأمور لتحل في سياق ما ترتبه الدولة المدنية وإعلاء مبدأ المواطنة، وعلى التوازي مع ذلك يمتد الحوار إلى سبل الاستفادة من قوة إيران في إحداث توازن أو تفوق استراتيجي على إسرائيل، التي تريد أن تكون القوة الوحيدة ذات الشأن في المنطقة، ومن ثم تملي إرادتها على الجميع، ولا يكون بوسعهم سوى الرضوخ والاستسلام.

أما إذا نسي العرب أو تناسوا كل هذا وباركوا أو شاركوا في حرب ضد إيران فستكون الطامة الكبرى على المنطقة بأسرها. ولحسن الحظ والطالع فإن القادة العرب يفهمون هذا الأمر جيداً، ولذا يبدون ـ حتى الآن ـ امتعاضاً شديداً من قرع واشنطن لطبول الحرب، ويوصون بحلول سلمية، ليس أفضل منها في إنقاذ الجميع من كارثة محققة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة