لقد ارتبطت الليبرالية بكل ما يتعلق بالحرية، حرية التملك وحرية الرأي، وحرية الاعتقاد، ونشأت وانتشرت في أوروبا منذ أكثر من قرنين، ثم في بلدان العالم الأخرى، والمهم ارتباطها بالديمقراطية عضوياً، وكان العالم العربي ضمن المناطق التي شهدت ولا تزال فكراً وممارسة ليبرالية منذ عهد الاستعمار التقليدي.
ذلك أن المستعمرين قد نقلوا معهم إلى هذه البلدان مفاهيم وأساليب في الحياة السياسية والاقتصادية، لم تعهدها هذه المنطقة منذ قرون، كذلك إرسال عدد من الشباب العربي للدراسة أو التدريب في الدول الأوروبية والغربية عموماً جعلهم يكتسبون أفكاراً جديدة في حياتهم، ومن ثم مارسوها في مجتمعاتهم، حيث تأثروا بالتحديث في الدول المتقدمة.
ولما ظهرت الأحزاب السياسية العربية في العهد الاستعماري في عالمنا العربي كان من بينها الأحزاب الليبرالية مثل: حزب الوفد في مصر، والحزب الدستوري التونسي وغيرهما. وهناك تأثير ظروف الواقع العربي التي دفعت نحو الاتجاه الليبرالي فالنخبة المثقفة اتجهت إلى تغيير الأوضاع الإقطاعية والعنصرية والدينية المتزمتة إلى الانفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة منها من دون أن تفقد شعوبنا أصالتها وهويتها.
ولقد مرّت المنطقة العربية بموجات من التيارات الفكرية المتعارضة عصفت بها بسبب التحديات التي واجهتها من القوى الاستعمارية وكذلك سبب صراعها فيما بينها في فترة ما بين الحربين العالميتين وخلال النصف الثاني من القرن العشرين مثل: القومي والليبرالي والماركسي والديني، ولكن لم يفلح أي من تلك التيارات في تحقيق مشروع للنهضة، وبناء النموذج المتقدم في أي بلد عربي على الرغم من محاولات تحقيق ذلك، لكنها أجهضت وفشلت.
إن كل تيار من تلك التيارات قد أخذ فرصته التاريخية، وفشلت كلها في قيادة الأمة نحو التقدم، إن الشعوب دائماً لا تقف مسيرتها حتى في مراحل التخلف، ولا تركن لليأس والانتحار بل تعاود مسيرتها وتبدأ من جديد، لكن ما يفعل ذلك هي الشعوب الحية التي تستفيد من تاريخها وإخفاقاتها.
ومنذ ثلاثة عقود والعرب يمرون بمرحلة هيمنة التيار الديني الأصولي الإسلامي على كل مناحي حياتهم، فهل نجح هذا التيار في مشروع الدولة الدينية الذي جربه في بعض البلدان مثل: أفغانستان والسودان وإيران، ومحاولاته أسلمه بقية الدول العربية؟
من وجهة نظر التيار الديني نعم يعتقد قادته ومنظروه بأنهم نجحوا ومن وجهة نظر التيار الليبرالي وغيره والذي يختلف معهم يقول إنه فشل فليس مقياس النجاح هو العنف والتطرف الذي يمارسه ذلك التيار، وليس التعبئة والشحن الديني بالفتاوى والدعوة واللباس الإسلامي وغيرها مقياس النجاح بل ان هذا التيار الديني ليس لديه مشروع، ولم يحقق نهضة حقيقية في التجارب التي أقامها أو حاول إقامتها، ونحن في دول الخليج العربية قد تأثرنا بكل تلك الأوضاع ولا نزال.
ويبقى السؤال: هل سيستمر التيار الديني متزعما ومؤثرا أم أننا أمام مفترق طرق لابد من مسار جديد؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو هذا المسار؟ وإذا كان التيار الليبرالي يراهن على انه هو البديل مما هي أوضاعه، وهل يملك مقومات القوة والاستمرار أو مشروعا للنهضة؟
ان أوضاع التيار الليبرالي مضطربة وملتبسة، وتنازعها نزاعات، وضغوطات شتى، فليس هناك تنظيمات حزبية قوية ولها قواعدها الشعبية الواسعة التي تعبر عنها، كما ان أعداد أفراد هذا التيار كبيرة ولكنها مشتتة، ومن السهل أن تجد ليبراليين يحاربون ليبراليين آخرين لاختلاف في وجهات النظر، أو لقصور في الرؤية الاستراتيجية، وفي فهم معنى ودور التيار الليبرالي، ولان الليبرالي ممكن أن يكون منتميا لأي تيار وهذه نقطة لصالح التيار الليبرالي لكنها ضده فان تناقضاتهم كثيرة، وانتماء بعضهم لهذا التيار ربما رد فعل لممارسات تيارات أخرى.
وقد لا يكون نتيجة قناعة وفهم مبدئي، ثم لابد من طرح النقطة التالية بصيغة سؤال يقول: هل يملك التيار الليبرالي مقومات القوة؟ هناك أولا التجربة الإنسانية والفكرية والسياسية الليبرالية التي يمكن الاستفادة من ايجابياتها العديدة وأساسها الحرية والديمقراطية وهناك التعليم والثقافة اللذان ينبغي ان تكسبا الإنسان عقلا منفتحاً مؤمنا بالحوار وقابلا للرأي الآخر.
وهناك تجارب التيارات الأخرى وموروثاتها التي تعثرت والتي تعطي مبرراً لوجود واستمرار التيار الليبرالي، أو حتى التي حققت نجاحات في بعض الأماكن والفترات كرفيق درب في الفكر الإيديولوجي والتجربة الحياتية، إضافة إلى الرصيد الخاص لممارسات ليبرالية ناجحة على المستوى الفردي والجماعي في مجتمعاتنا، وأخيرا لا ننسى أهمية وجود مؤسسات المجتمع المدني في تاريخنا المعاصر التي يمكن الاستفادة منها في ترسيخ المبادئ والأفكار الليبرالية القائمة على الحرية والديمقراطية.
يبقى سؤالنا الأخير. هل لدى التيار الليبرالي مشروع للنهضة؟ لقد كان هناك مشروع للنهضة لكنه فشل منذ قرن من الزمان لكن لا أحد يستطيع المزايدة فالجميع لا يملكون مشروعا للنهضة لذا فالفرصة التاريخية قائمة أمام التيار الذي يستطيع بلورة ذلك المشروع ثم المبادرة برسم معالمه على أرض الواقع ومن هذه التيارات التيار الليبرالي، هذا هو التحدي.
ان واقع التيارات الفكرية في العالم العربي يعيش أزمة حقيقية والمشكلة ان الفكر والممارسة له دائما مرتبطان بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لأي مجتمع ولما كان ولا يزال الواقع العربي متخلفا وتعصف به رياح العنصرية القبلية والطائفية الدينية والشخصانية الفردية فعلينا أن نتوقع أزمة تلو الأخرى.
وهذا كله بطبيعة الحال ينعكس على التيارات الفكرية منها التيار الليبرالي لهذا نجد مزيجاً من فكر متقدم بثقافة متخلفة مصحوباً بازدواجية وتقاطع في الممارسة ينتج عن هذا المزيج عدم وضوح الرؤية عندها تكون هذه التيارات الفكرية غير قادرة على مغادرة أزمة الواقع لتساهم في تغييره، وإنما أصبحت تعبيرا عنه وانعكاسا له لا بل جزءا منه، فالأحزاب السياسية في عالمنا العربي مغلفة بغلاف ايديولوجي ولكنها قبلية عنصرية وطائفية وعائلية ومنطقية. والتيار الليبرالي جزء منها يعيش أزمتها.
ان التحدي امام هذا التيار هو في تحول تاريخي يجعله يقود الواقع ويؤثر فيه وليس العكس، ويملك مشروعا للنهضة كما ذكرنا للخروج من دائرة التنظير إلى معايشة الواقع والتأثير فيه بفكر مستنير ومتقدم عندها يمكن الإجابة على سؤال هل الليبراليون قادمون؟
كاتب كويتي