هذا هو السؤال الذي طرحته مؤخراً إحدى المجلات الأسبوعية الفرنسية. فبعد المبادرات الأخيرة والصاخبة التي اتخذت في مجال السياسة الخارجية أصبح الكثيرون يتساءلون عن نوعية التوجهات التي يعتمدها الرئيس الجديد. الكثيرون هنا في فرنسا صدموا بالتحول الكبير الذي طرأ على السياسة الخارجية. فالرئيس ساركوزي لا يجد حرجاً على الإطلاق في إبداء إعجابه بالرئيس بوش والسياسة الأميركية.

ولكنه في ذات الوقت يطالب بحق الاختلاف داخل العائلة الواحدة وعدم الموافقة على طول الخط. ووزير خارجيته برنار كوشنير لا يقل حماسة للعم سام عن أعتى عتاة المحافظين الجدد.

وهذا ما أصبح يقلق بعض الديغوليين التاريخيين وغير التاريخيين الذين يجدون في هذه المبادرات والتصريحات انحرافاً كبيراً عن خط الجنرال ديغول والهادف أساساً إلى المحافظة على استقلالية القرار الفرنسي وليس بيعه لواشنطن بثمن بخس..

بل وأصبح يقلق حتى الوزير الاشتراكي السابق هوبير فيدرين الذي يتميز بالوسطية والاعتدال والذي أصبح الديغوليون يحبونه أكثر من ساركوزي نفسه.. وقد قدم مؤخراً تقريراً لساركوزي عن السياسة الخارجية تحت عنوان: فرنسا في عصر العولمة. وحذره فيه من الانضمام إلى بوش والمحافظين الجدد.

وترى أوساط اليسار الفرنسي أن ساركوزي تجاوز الخط الأحمر عندما قال في خطابه الكبير أمام سفراء فرنسا في العالم: إن التحدي الأول الذي ينبغي علينا أن نواجهه هو دون شك خطر الصدام بين الإسلام والغرب.وهو بذلك يوهم بأن الحركات الإسلامية المتشددة هي وحدها المسؤولة عن هذا الصدام.

هذه اللهجة تذكرنا بخطابات المحافظين الجدد وأفكارهم. وأنا شخصياً كنت قد نشرت مقالة فور فوز ساركوزي بالانتخابات الرئاسية تحت عنوان: شبح المحافظين الجدد يخيّم على الإليزيه. ولكن ما كنت أعتقد أن تطورات الأمور سوف تصدق توقعاتي ومخاوفي بمثل هذه السرعة.

فاليسار الفرنسي وكذلك اليمين الديغولي العقلاني يعيبان على ساركوزي طرحه للأمور بمثل هذه الطريقة. فلماذا يكون التحدي الأساسي لعصرنا هو الحركات الأصولية وليس الفقر مثلاً أو الجوع الذي يقتل الملايين في بلدان الجنوب؟ لماذا لا يكون التحدي الأساسي الذي تواجهه فرنسا هو ضواحي الإسلام الفقيرة البائسة التي تحيط بكبريات المدن الفرنسية كالزنار: باريس، ليون، مرسيليا، الخ...؟ ماذا فعل السيد ساركوزي لهذه الضواحي التي تئن تحت وطأة البطالة والإهمال والاحتقار؟

ثم لماذا لا يوجه السيد ساركوزي أي انتقاد للإدارة الأميركية ومسؤوليتها عن توتر الأوضاع بين العالم الإسلامي والغرب؟ أليس ديك تشيني مسؤولاً عن هذا التدهور في العلاقات ووصول التأزم الى حده الأقصى؟

ومعلوم أنه هو رئيس المحافظين الجدد وهو الحاقد على العالم العربي الإسلامي وليس الرئيس بوش بالذات... ينبغي أن نضيف إليه أحد المحافظين الجدد العتاة الذي لا يقل كرهاً للعرب عن حزب الليكود الإسرائيلي: قصدت به ريتشارد بيرل. فهو الذي ينصح الإسرائيليين برفع شعار السلام مقابل السلام وليس السلام مقابل الأرض. وربما لولا تشجيعه لما تجرأت القيادة الإسرائيلية بيسارها ويمينها على توسيع المستوطنات وقضم الأراضي الفلسطينية قطعة وراء قطعة... وكان آخرها مناطق مجاورة للقدس.

ثم يطرح اليسار الفرنسي هذا السؤال: لماذا لم يتحدث الرئيس ساركوزي عن مسؤولية اليمين الإسرائيلي المتعنت عن تدهور العلاقات بين العالم العربي والغرب؟ لماذا لم يقل كلمة واحدة عن دور هذا اليمين المتطرف في استفزاز العرب والاعتداء عليهم؟ لا ريب في ان الحركات الأصولية التكفيرية تمثل مشكلة للعالم كله ولكن ليست هي وحدها في الميدان..

مهما يكن فإن الخطاب المهم الذي ألقاه الرئيس ساركوزي أمام السفراء وبلور فيه الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الفرنسية يبدو غير متوازن على الإطلاق. فهو يضع الحق فقط على الحركات الأصولية المتشددة وينسى الدور السلبي والعدواني الذي يلعبه الطرف الآخر: أي المحافظين الجدد من كل الأنواع سواء أكانوا أميركيين أم أوروبيين أم إسرائيليين. والواقع انه لم يعد هناك أي فرق بين هذه التيارات الثلاثة التي تحكم الغرب حالياً بكل صلف وغطرسة واستعلاء.أصبحوا كلهم كتلة متراصة ضد العرب والمسلمين.

وقد وصل الأمر بالمفكر المحترم غي سورمان إلى حد طرح السؤال التالي في جريدة الفيغارو: هل ساركوزي من المحافظين الجدد يا ترى؟ ذلك أن المحافظين الجدد على عكس ما نتوهم ليسوا فقط أميركيين! صحيح أنهم ظهروا في أميركا لأول مرة ولكن تيارهم الفكري أو السياسي انتشر في كل أنحاء أوروبا حتى وصل إلى إسرائيل ذاتها.

وهم يعتقدون أن العرب خصوصاً والمسلمين عموماً لا تنفع معهم إلا سياسة العصا والحزم. ولذلك غزوا العراق ويفكرون الآن في غزو إيران والحبل على الجرار... ذلك أن الأمور لن تتوقف حتى عند إيران.. فما دام العرب يرفضون إسرائيل أو لا «يحبونها» فإنه ينبغي أن نهذبهم ونصلح اعوجاجهم حتى يصبحوا حضاريين وقادرين على حب إسرائيل وقادتها العظام بمن فيهم اليمين وليس فقط اليسار المستنير المتمثل بحركة السلام الآن او يوسي بيلين مثلا صاحب وثيقة جنيف مع ياسر عبد ربه.

بالمناسبة فان غي سورمان هو صاحب الكتاب الجميل: أطفال رفاعة رافع الطهطاوي. مسلمون وحديثون في آن معا. وهو يمجد فيه تيار الإسلام الليبرالي المستنير الذي يقبل بالانفتاح على الحداثة كما فعل رفاعة العظيم في وقته، وذلك على عكس التيار المتطرف الذي شوه سمعة العرب عن طريق إشعال صدام الحضارات بكل تهور ولا مسؤولية.

ما الفرق بين برنار كوشنير والمحافظين الجدد من أمثال ارفنغ كريستول؟ كلاهما جاء من أوساط اليسار أولاً ثم التحق باليمين ثانياً وتبنى سياسته القائلة بأن الاتحاد السوفييتي هو إمبراطورية الشر ولذا ينبغي إسقاطه.

لهذا السبب انقلبوا على نزعتهم اليسارية والتروتسكية السابقة ولعنوا ماضيهم «الآثم» والتحقوا برولاند ريغان أولاً ثم بجورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني ثانياً. وارفنغ كريستول لمن لا يعرفه هو مؤسس المحافظين الجدد ووالد وليام كريستول الذي لا يقل محافظة عنه والذي يرأس تحرير المجلة الأساسية لهذا التيار في واشنطن.

ان الصراع العربي-الإسرائيلي الذي تعود مسؤوليته كاملة إلى الغرب الأوروبي أولاً فالأميركي ثانياً لم يفكر أحد في حلّه بطريقة معقولة عن طريق إعطاء كل ذي حق حقه... هذا أمر لا يخطر أبداً على بال المحافظين الجدد الأشداء والعدوانيين على حد سواء. ونرجو ألا يكون الرئيس ساركوزي منهم وألا يتبنى أفكارهم السياسية كاملة. فالرجل ذكي، محنك،ويعرف مصلحة بلاده وضرورة إقامة علاقات طيبة مع عالم الإسلام، وقد أبدى أكثر من مرة رغبته في التواصل مع العرب.

وهو الذي نظم شؤون المسلمين في فرنسا وأعطاهم مكانتهم وكرامتهم في حين عجز كل وزراء الداخلية السابقين عن تحقيق هذه المهمة الحساسة. و قد استقبل معظم قادة العرب بعد انتخابه وعبر في خطابه الكبير المذكور آنفا عن احترامه للشعوب العربية والإسلامية.

وكان أول من عين عدة وزراء او وزيرات عربيات في حكومته كرشيدة داتي وفاضلة عمارة. وكان أول بلد أجنبي يزوره بعد انتخابه مباشرة، اذا ما استثنينا أوروبا، هو بلد عربي: الجزائر. وبالتالي فلا يمكن اعتباره كارها للعرب كما يشاع هنا او هناك. هذا ليس صحيحا على الإطلاق.

والرجل عصامي صنع نفسه بنفسه وعانى من كونه ابنا مغتربا أو مهاجرا مثلنا جميعا. بل وكان اليمين الفرنسي يعيره باسمه وأصله وفصله كما يفعل مع أبناء المغاربة والأفارقة السود. وبالتالي فهو يستحق الإعجاب والتقدير لكونه تغلب على كل هذه العقبات والصعاب واستطاع ان يصعد ويصعد حتى وصل إلى القمة التي لا قمة بعدها..وهذه معجزة تقريبا ولم تحصل في تاريخ فرنسا حتى الآن الا مع نابليون بونابرت الذي كان من جزيرة كورسيكا. ولذلك فإنهم يشبهونه به وبخاصة انه جريء مقدام بل وقصير القامة مثله.

والواقع ان الانعطاف الذي طرأ على السياسة الخارجية الفرنسية حصل في عهد شيراك الذي راح يتخلى عن المواقع الديغولية وينسق مع الإدارة الأميركية بشكل كامل بدءا من عام 2004. وقد برهن على ذلك الصحافي الفرنسي المخضرم ريشار لابيفيير في كتابه: الانعطاف الكبير: بغداد. بيروت.

وبالتالي فليس ساركوزي هو المسؤول الأول عن الابتعاد عن الديغولية وانما شيراك بالذات. يضاف الى ذلك ان عهد ديغول قد انتهى بعد ان انهار الاتحاد السوفييتي ولم تعد هناك الا قوة عظمى وحيدة تسيطر على العالم. وساركوزي مضطر الى ان يأخذ هذه المتغيرات بعين الاعتبار مثله في ذلك مثل غيره.

وبالتالي فلا ينبغي ان نظلمه اكثر مما يجب. ولكن يبقى صحيحا القول بأن هناك مخاوف لدى العرب وبعض الديغوليين من ان ينحاز زيادة عن اللزوم الى الجانب الآخر وان يشجع بذلك اليمين الإسرائيلي على تعنته ورفض لأي حل سلمي في المنطقة. نقول ذلك ونحن نتمنى أن تكذب الأيام أو الأسابيع القادمة كلامنا وأن ينجح مؤتمر أنابوليس بواشنطن في حلحلة الأمور وفتح ثغرة في جدار هذا الانسداد التاريخي المزمن والطويل.

كاتب سوري ــ باريس