تشير ثقافة الخوف إلى تلك الحالة العقلية المجتمعية الشاملة التي تؤدي بالأفراد إلى التزام الحيطة والحذر في إبداء آرائهم، وإلى إبداء عكس ما تنطوي عليه أنفسهم. ولا ترتبط ثقافة الخوف فقط بإبداء الرأي لكنها تنسحب أيضاً إلى سلوكيات الحياة اليومية.
حيث ينسحب الأفراد من الممارسات والمواجهات الإبداعية التي تجر عليهم الغضب والعقاب، ويرتدون إما إلى مواقع الموافقة والتهليل وإما إلى مواقع العزلة الذاتية والصمت والانكفاءات غير المجتمعية. إن ثقافة الخوف مع الجمود وضد الإبداع، مع المتعارف عليه وضد الجديد، مع المتردي المتدهور وضد المتقدم المتطور. من هنا تمثل ثقافة الخوف حالة عقلية وسلوكية في الوقت نفسه.
فهي تجمع بين العقل والسلوك، حيث تتجاوز ذلك المخزون النفسي المتراكم لتجد تجلياتها المختلفة في العديد من سلوكيات وممارسات الحياة اليومية. فالخوف وإن كان تعبيراً عن حالة نفسية جمعية بالأساس لا بد وأن يتجاوز تلك الأطر الضيقة لينمو ويزدهر من خلال السياق المجتمعي الأشمل الذي يوفر الآليات المختلفة لتلك الحالة ويمدها بأطرها المجتمعية المقبولة.
وتنبع خطورة ثقافة الخوف من كونها لا تعبر عن عقليات منفردة متناثرة، وسلوكيات فردية متباعدة، بقدر ما تعبر عن مزاج عقلي عام يتوحد عبر نسيج اجتماعي شامل، وإن بنسب متفاوتة، وعبر شرائح اجتماعية متباينة.
وتختلف درجات ثقافة الخوف من مجتمع لآخر، فبعض المجتمعات تصل بها ثقافة الخوف لمستويات عالية وشاملة، وهو الأمر الذي يفسر حالات السقوط الهائلة التي تنتاب تلك المجتمعات إبان فترات التحولات الحادة التي تمر بها. ويمكن أن نشير لعراق صدام حسين كمثال لذلك الاستشراء الحاد لثقافة الخوف والمستويات المجتمعية الشاملة المرتبطة بها.
وترتكز ثقافة الخوف إلى واقع اجتماعي شامل يبدأ من الأسرة مروراً بالمؤسسات التعليمية المختلفة وصولاً إلى المؤسسات المجتمعية السائدة. ففي الأسرة لابد وأن ينشأ الطفل ضمن سياق من الخوف الذي يأخذ تجليات عديدة منها تعلم الأدب والأخلاق واحترام الآخرين، وبشكلٍ خاص كبار السن.
وعبر كل سنوات الطفولة المختلفة يمر الطفل بعملية تدجين يمارس من خلالها الآباء والأقارب دوراً هائلاً في إشاعة ثقافة الخوف لدى الأطفال. بالطبع تتفاوت تأثيرات هذا النوع من التدجين بين الذكور والإناث.
فالإناث يمرون بعملية مزدوجة يمارس من خلالها الآخرون عمليات التدجين المتواصلة عليهم، ويمارسن هن أنفسهن ذلك الدور من خلال عبء الأنوثة المرتبط بحمولات الجسد والقيمة المضافة إليه. وكم سمعنا عن طفل ما يتسم بالأدب والأخلاق لمجرد أنه لا يعترض ولا يجادل، بينما سمعنا عن آخر يتسم بقلة الأدب لكونه بالغ الصراخ والاحتجاج والمطالبة والمعارضة.
وعبر الأسرة تنشأ أول سياقات الخوف والتخويف، فالأطفال يرهبون الأم، والإناث يرهبون الذكور، والجميع يرهبون جانب الأب، السيد المطاع. لا يعني ذلك أننا أمام حالة أسرية مرضية، لكننا أمام بنية مجتميعة تستقي عناصر وجودها من السياق المحيط الذي يكرس قيم الخوف والتخويف. فالأسرة تعيد تأسيس ما هو مجتمعي، وتجتره بأشكال وتجليات جديدة ومبتكرة، لكنها تصب في النهاية في تأبيد بنية الخوف، وإشاعة ثقافة التخويف.
تبدأ ثقافة الخوف من سنين الطفل الأولى مرتبطة بذلك التعارض القيمي المجتمعي الشامل بين الأدب وقلة الأدب. وتشكل هاتان الكلمتان الأساس المتين والمتواصل في الثقافة العربية، نصحبهما معاً عبر كل سنوات عمرنا. ففي المدرسة والمؤسسات التعليمية المختلفة تُمارس ثقافة الخوف بشكلٍ ممنهج وبقبول تعليمي صارم وقهري.
فالتلميذ مؤدب حينما يسمع كلام مدرسيه وترتعد فرائصه خوفاً من صوت مدرسه ولسعات عصاه. أما ذلك الذي يعارض ويجادل ويمارس وجوده الإنساني والعفوي فهو قليل الأدب، لم يجد من يقوم بتربيته وإشاعة ثقافة الخوف بين جوانبه.
تحتل المدرسة وظيفة الأسرة القمعية وتعيد صياغة النشء بمستويات جديدة من الخوف والتخويف. لا تقف مستويات الخوف فقط عند الإيذاء البدني والمعنوي، لكنها تتعدى ذلك إلى خلق رقيب ذاتي لدى التلاميذ والطلبة، حيث يتعلمون الصمت وعدم النقاش والجدل. وهنا تكمن المخاطر المرتبطة بإشاعة مناخ الخوف.
حيث ينشأ رقيب ذاتي لدى كل فرد، يراقبه في كل لحظة يخدعه فيها لسانه محاولاً التعبير عن ذاته، ومجادلة من يحيطون به. تتجلى الحكمة المبتذلة هنا في الصمت والخضوع وصناعة الموافقة، وهو الأمر الذي ينتقل من المدرسة ليصاحب الطلبة في دراساتهم الجامعية، حيث تهيمن ثقافة الخوف بأساليب جديدة ومحمكة وضاغطة.
فالطلبة لا يجادلون على الاطلاق، حتى وإن أفسح لهم أساتذتهم المجال للنقاش والجدل فإنهم لن يناقشوا أو يجادلوا، ليس لعيب فيهم، ولكن لتمكن بنية الخوف من أنفسهم، سواء وعوا هم بذلك أم لم يعوا.
وعلينا هنا أن نتصور كيف يمكن للطلبة الجامعيين عبر مراحل التدجين الطويلة التي مروا بها بدءاً من الأسرة ومروراً بمراحل التعليم المختلفة أن يجادلوا ويؤمنوا بأن لهم ذواتهم الإنسانية التي بجلها الله وأعلى من شأنها دوناً عن سائر المخلوقات.
في الجامعة يصبح هدف الطلبة الحصول على الدرجة الجامعية، دون إثارة المشكلات، ودون الدخول في أية تعارضات مع أساتذتهم. بالطبع لا يبتعد العديد من الأساتذة في العديد من الجامعات العربية عن بنية الخوف وإعادة تشكيلها بأطر وأشكال مختلفة.
تنتقل بنية الخوف معنا منذ الطفولة وعبر كافة مراحلنا الحياتية المختلفة، حيث تلازمنا في مؤسسات العمل، وهنا نكون قد وصلنا إلى أعلى مراحل الخوف والالتزام الحرفي بتوجهاته، والخضوع المطلق له. في مؤسسات العمل المختلفة يبدو الخوف في أشد مستوياته وضوحاً، حيث يرتبط بمسألة العيش والرزق. وهو ما يفسر ذلك الخضوع منقطع النظير لأرباب العمل والخنوع والتزلف العاري لهم.
وهو الأمر الذي يكشف أيضاً كيف انهارت العديد من المؤسسات الاقتصادية في العالم العربي بسبب الانتشار الحاد للفساد بين أركان هذه المؤسسات، وكيف أنه لم يحرك أحد ساكناً بالاعتراض أو الإبلاغ. وكأن لسان الحال ينطوي على الرغبة في انهيار المعبد على رؤوس الجميع!!
وهنا تبلغ ثقافة الخوف أعلى مستوياتها جنوحاً، وأشد حمولاتها المجتمعية تأثيراً، حيث تدمر بنية الإنسان، وتحيل حماسته ودافعه الإنساني الفاعل إلى كتلة هامدة ليس لها نفع ولا تأثير. في هذا السياق يتحول الإنسان إلى وجود مادي فقط، يكشف عن حمولته البيولوجية مثله في ذلك مثل غيره من الكائنات الأخرى.
ورغم ما يُحمله البعض للبنيات السياسية من إشاعة ثقافة الخوف، فإن الأمر أكبر من قدرة الكيانات السياسية ذاتها، وحجم تأثيرها. وهو الأمر الذي يفسر كيف أن ثقافة الخوف ذاتها امتدت للعديد من مؤسسات المجتمع المدني وإلى العديد من الأحزاب السياسية المعارضة في الكثير من الدول العربية.
فالكثير من هذه المؤسسات وهذه الأحزاب تحكمها بنية الخوف ذاتها التي لن تختلف في قليل أو كثير عما يحدث في أي مدرسة ابتدائية وعما يحدث بين أروقة الجامعة أو في الكثير من المؤسسات الرسمية.
وهو ما يكشف أيضاً عن حجم العبث المرتبط بالدعوة لديمقراطيات جديدة في العالم العربي، وكأن الديمقراطية أمطار تسقط من السماء، وكأنها نفحة نحصل عليها، دون أن نجهز الأرض للحرث، ونبذر البذور القابلة للنماء! إن بنية الخوف تنطوي على شبكة مترامية متعددة العناصر والجوانب، كما أنها ليست وليدة اليوم، بقدر ما هي وليدة تراكمات تاريخية عميقة الجذور في العالم العربي.
وهو الأمر الذي يستدعي العديد من المشروعات الفكرية التنويرية الجادة، حيث يتحمل المثقفون العبء الأكبر في علمية التغيير هذه، إن كانوا قد نجوا من براثن بنية الخوف المجتمعية الشاملة، ولم تمسسهم أدرانها.
كاتب مصري