«لن نفرض أي شيء على إسرائيل لا توافق عليه إسرائيل»، هذا هو القول الفصل الذي صدعت به كوندوليزا رايس.
إذا تخلصنا من التفاصيل الجدلية فان مغزى هذا القول هو انه مادامت إسرائيل ترفض قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 67 فان الولايات المتحدة تحترم هذا الرفض وتلتزم به، ما هو إذن الهدف من عقد مؤتمر دولي؟ وما هي جدوى «الوثيقة المشتركة» التي من المفترض ان يتوصل إليها التفاوض الثنائي الجاري بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي من المفترض أيضا ان ترفع إلى المؤتمر الدولي؟
تصريحات رايس خلال جولتها الأخيرة لا تخلو من أجوبة على هذه التساؤلات رغم ان هذه الأجوبة صيغت بلغة غير مباشرة، ومن أبرز أقوالها ما يلي، رغم ان الوثيقة ينبغي ان تتضمن «المسائل الرئيسية» ـ أي قضايا الوضع النهائي ـ إلا أنها لا تحتاج إلى تفاصيل، ومعنى ذلك ان يكتفي الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي بتسجيل قضايا الحدود وعودة اللاجئين ومصير القدس والسيادة على مصادر المياه كعناوين فقط لا تترتب عليها التزامات مفصلة على إسرائيل.
إن الجانبين لن يتوصلا إلى حلول لمشاكل تعود إلى عدة عقود زمنية في وثيقة مختصرة، والمعنى المقصود هو ان التفاوض بين الجانبين يمكن ان يتواصل إلى الأبد دون ان ينال الفلسطينيون أيا من حقوقهم.
ألا تشير الوثيقة إلى جدول زمني لتقييد العملية التفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي من المقترح ان تبدأ عقب نهاية المؤتمر الدولي، وهذه النقطة هي بمثابة شرح وتأكيد للنقطة السابقة عليها مباشرة، هكذا تتحدث وزيرة خارجية الولايات المتحدة وكأنها المستشار السياسي للحكومة الإسرائيلية أو المتحدث الرسمي باسمها.
اللعبة الإسرائيلية تدخل في باب فن المماطلة. لكن خطورة اللعبة تتمثل في ان الولايات المتحدة تؤدي فيها دور الشريك الكامل لإسرائيل باسم «الوساطة الحيادية»، وإذا سارت الأمور على هذا النحو فان القضية الفلسطينية ستنشغل من مماطلة إلى مماطلة مع تعاقب الإدارات الأميركية، وكأن السيدة رايس أوشكت ان تفصح عن هذا المعنى عندما قالت في سياق أحد تصريحاتها: «لقد قطعنا مسافة لا بأس بها وما زال أمامنا الكثير نقوم به. لكننا لن نكل».
«لن نكل» إلى متى؟، «حتى الأيام الأخيرة من ولايتي»، ولاية إدارة بوش تنتهي في ديسمبر 2008، ومعنى قول رايس ان القضية الفلسطينية ستبقى رهن لعبة المماطلة لمدى 14 شهرا لكي تنتقل بعد ذلك إلى الإدارة الجديدة.. التي بدورها ستبدأ فصلا جديدا من اللعبة.
السيناريو إذن واضح: وثيقة مشتركة بلغة معممة وغامضة تكون بمثابة قاعدة حجر الأساس لعملية تفاوضية تفصيلية لاحقا. وما بين العمليتين يعقد مؤتمر «دولي» بترتيب أميركي ـ إسرائيلي «ليبارك» الوثيقة، وبعد ذلك تتواصل العملية التفاوضية الثانية إلى الأبد.
وثمة حاشية أوردتها رايس. فقد شددت على «ضرورة تطبيق الالتزامات الواردة في اطار المرحلة الأولى من خريطة الطريق»، وهذه «الالتزامات» هي باللغة العادية إبادة المقاومة الوطنية الفلسطينية تحت عنوان «نزع سلاح الفصائل» و«القضاء على الإرهاب الفلسطيني».