لا حكم عادل بلا محكمة عادلة ولا محكمة عادلة بلا قانون عادل يؤسس لقضاء عادل، والقضاء العادل ليس من مهمته الظلم بل إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلا اتهام بلا دليل، ولا إدعاء بلا دفاع، ولا اتهام صحيح بلا أدلة صحيحة أو شهود صدق، ولا حكم صحيح بتمكين الإدعاء من الإدعاء دون تمكين الدفاع من الدفاع بعد الاطلاع على كامل أدلة الاتهام، ولا اتهام ولا دفاع بلا قضاة عادلين.
والإعلام الحر ليس من مهمته الصمت، فالصامت على الحق شيطان أخرس، والإعلام الذي يروج لاتهام البريء أو لتبرئة المجرم، ويناصر الطرف الظالم طمعا، أو يتخاذل في نصرة المظلوم خوفا هو ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالما لغيره، وفاقدا لدوره وأمانته ورسالته وموضوعيته ومصداقيته واحترامه لدى الرأي العام، فلا إعلام بلا حقائق، ولا حقائق إلا بإعلاميين حقيقيين.
ولا يسود الظلم والكذب والتزوير إلا بغياب الأخلاق والضمير، ولا تقع العدالة في إدانة الأبرياء وإبقاء المجرمين الحقيقيين طلقاء إلا بالتلاعب بالعدالة، وبتضليل المحاكم بالأدلة المصطنعة وبتلفيق الاتهامات المختلقة للأبرياء إلا بسطوة السياسات الشريرة التي ترتدي مسوح الخير للتخلص من معارضيها من الدول الرافضة وإلا يتمدد تحالف الشر في الفراغ الناشئ عن غياب تحالف الخير.
مفاجأة الأسبوع كانت القنبلة التي فجرها المدعي العام البريطاني باعترافه أمام محكمة الاستئناف الاسكتلندية الثانية بإخفائه وثيقتين مهمتين تبرئان المتهم، وأنه استجابة للطلب الأميركي لم يمكن الدفاع من استخدامهما لإظهار الحقيقة الغائبة للمحكمة في قضية «لو كيربي» التي أصبحت أشهر قضايا العصر، والتي ستصبح على ما يبدو أكبر فضائح العصر للتلاعب السياسي الأنجلو اميركي في أدلة القضية لتضليل العدالة ولخداع القضاء الاسكتلندي المعروف بعدالته الصارمة ودفعه إلى إصدار حكم تنقصه العدالة بإدانة المواطن الليبي البريء عبد الباسط المقرحي بشهود زور، وبأدلة ملفقة.
وكان محامو المقرحي قد طالبوا المحكمة العليا مطلع هذا الشهر بتدقيق هذه الوثائق بالغة الأهمية التي تم حجبها عن فريق الدفاع ويمكن أن تقلب القضية لصالح المقرحي بعد أن اكتشفت لجنة مراجعة مدى سلامة تطبيق العدالة في هذه القضية وثائق اطّلع عليها الإدعاء دون الدفاع وتشير إحداها إليٌ أن الصاعق الذي زُعم أنه استُخدم لتفجير قنبلة لوكربي ومثل دليل الإدانة، إنما أدخلته إلى الأدلة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، وطالبت بعدم الكشف عنها!
ورغم أن ليبيا قامت بدفع تعويضات لعائلات الضحايا لكنها لم تقبل بمسؤوليتها رسميا عن الحادث أبدا لكنها ظلت بسبب الحكم المضلَل والإعلام المضلِل متهمة بالإرهاب، والمواطن الليبي كان يصر دائما على براءته لكنه ظل مدانا في نظر العالم بتفجير الطائرة.
ورغم أنه خسر الاستئناف الأول للحكم، فقد منح حق الاستئناف ثانية في شهر يونيو الماضي من قبل لجنة مراجعة القضايا الجنائية الاسكتلندية التي أمضت ثلاث سنوات تتحقق من سلامة الأدلة التي أدين بها المقرحي وأحالت اللجنة القضية إليٌ محكمة الاستئناف بدعوٌى إساءة تطبيق العدالة.
وقد تحققت لجنة المراجعة القضائية من ستة أسباب قوية أظهرت عيوب سير العدالة، ومنها عيوب صريحة في كيفية التعرف على المقرحي وفقا لشاهد زور، وعدم الكشف عن مستند سري يتعلق بمصدر جهاز التوقيت الذي فجر القنبلة، وآخر يكشف الطلب الأميركي بإخفاء التزوير على المحكمة.
إثبات اللجنة القضائية وقوع المحكمة في هذا الفخ بإدانة بريء بأدلة ملفقة وبشهادة زور، يظهر المجرمين الحقيقيين وراء الجريمة بصورة فاضحة بعدما تمكنت واشنطن ولندن من الابتزاز السياسي والمالي لليبيا.
وهكذا تبدو الحقيقة كالشمس لا يمكن أن تغيب إلى الأبد وهي دائما تشرق من جديد لينقشع الظلم والظلام مع شروق الفجر الجديد.