منذ وقت طويل والحديث عن سلام في منطقة الشرق الأوسط جار على قدم وساق بقيادة الولايات المتحدة الأميركية التي تتزعم كل جهود السلام بمفردها دون تدخل حقيقي وجوهري من قبل المجتمع الدولي.
بالرغم من ذلك فإن السلام يبدو أبعد كثيراً من أي وقت مضى لأن المتغيرات السياسية على أرض الواقع لا تبشر بسلام وشيك من جهة ولأن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تتبن قرارات سياسية أو تتخذ من الخطوات اللازمة والحاسمة ما يكفي لإحلال سلام عادل ودائم وحقيقي يستند إلى قرارات الشرعية الدولية التي قبلت بها كل دول العالم بما في ذلك الدول العربية والإسلامية.
ولم يبق طرف واحد ضد إحلال السلام سوى الدولة العبرية التي مازالت تتبنى سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض الفلسطينية المحتلة.
والقرار الإسرائيلي الأخير قبل أيام قليلة بمصادرة أراضي فلسطينية وتنفيذ مشروع شق طريق بين مدينة القدس المحتلة ومستوطنة معالي أدوميم اليهودية والذي سيقسم الضفة الغربية عملياً إلى شطرين ويمنع إقامة دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة، ما هو إلا دليل عملي على السياسة العدوانية المنهجية ضد أسس السلام المزعم تحقيقه على أرض السلام فلسطين.
وهذا ما أكدته سيدة الدبلوماسية الأميركية وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في ختام لقائها مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله عندما قللت من جهة وحذرت من جهة أخرى من احتمال حدوث «اختراق دبلوماسي» أو «توقع انفراجات كبرى» خلال جولتها الحالية في الشرق الأوسط الهادفة إلى النهوض بمسيرة السلام التي بدأتها الأحد الماضي في إسرائيل.
وهدفت جولة رايس الأخيرة إلى دفع المشروع الأميركي الخاص بعقد اجتماع دولي للسلام عن طريق توصل الفلسطينيين والإسرائيليين إلى وثيقة مشتركة لمعالجة القضايا المحورية فبيل عقد الاجتماع، هذا يعني أن الموقف الذي عبرت عنه الوزيرة رايس والموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت يعزز المشاعر التي تنتاب الفلسطينيين والعرب من أن مؤتمر السلام القادم لن يسفر عن نتائج إيجابية باتجاه تخفيف المعاناة الفلسطينية أو باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وعليه فالسؤال البديهي الذي يطرح وسط هذا التشاؤم الأميركي والرفض الإسرائيلي والشكوك الفلسطينية والعربية والتي عبر عنها وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بشأن اجتماع السلام هو: ما هو مبرر عقد هذا المؤتمر إذا كانت إسرائيل غير مستعدة للتقدم خطوة واحدة حتى باتجاه معالجة القضايا الرئيسية للصراع وطالما أن الولايات المتحدة الأميركية غير مستعدة أيضا للضغط على إسرائيل لإزالة العقبات التي تضعها أمام نجاح اجتماع السلام؟!
لا يخفى على أحد أن ما تطرحه إسرائيل من مواقف وما أعلن عنه حتى الآن فيما يخص أهداف الاجتماع والتوقعات الخاصة به لا يلبي الحد الأدنى المقبول فلسطينياً وعربياً وإسلامياً للمشاركة في مثل هذا المؤتمر حيث تبدو الهوة عميقة بين مبادرة السلام العربية التي قبلها أيضاً الجانب الفلسطيني وبين ما تطرحه الحكومة الإسرائيلية من مواقف، كما تبدو الهوة عميقة بين موقف الجانب الفلسطيني والإسرائيلي في كل ما يتعلق باجتماع السلام وبشكل رئيسي الهدف من انعقاده.
ناهيك عن أن الموقف الأميركي الغامض بهذا الشأن لا يضفي سوى المزيد من التشاؤم على احتمالات نجاح الاجتماع في حال تم عقده بالفعل.
والمطلوب من الجانب الرسمي الفلسطيني في هذا الوقت بالتحديد أن يطرح تساؤلات مشروعة حول مبرر المشاركة الفلسطينية والعربية في هكذا اجتماع لاسيما وأن التجربة الفلسطينية الطويلة مع مثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات غنية بالفشل لأنها لم تسفر حتى الآن عن أية نتائج ملموسة تقود بنهاية المطاف إلى حل عادل للقضية الفلسطينية طبقاً للقرارات العربية والدولية.
في الوقت الذي لم تتردد إسرائيل ولم تتوقف عن تنفيذ مخططاتها الأحادية ضاربة بعرض الحائط الحقوق الوطنية الفلسطينية والحقوق العربية والإسلامية وتطلب من العالمين العربي والإسلامي تطبيع العلاقات الدبلوماسية معها وكأن السلام الحقيقي قاب قوسين أو أدنى.
إن أي اجتماع أو مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل ودائم لن يكتب له النجاح ولن يحقق أكثر من لقطات بروتوكولية ومصافحات وعلاقات عامة إذا تواصلت معاناة الشعب الفلسطيني وتواصلت سياسة الاستيطان ومصادرات الأراضي وبناء الجدار وتواصل احتجاز أكثر من 11 ألف أسير فلسطيني وتواصل الحصار الخانق وتقطيع الأوصال للأراضي الفلسطينية المحتلة وتوصلت سياسة عزل مدينة القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
متى تقتنع الإدارة الأميركية راعية السلام الأساسية وصاحبة الأمر في هذا الملف المعقد تاريخياً أن عقد أي اجتماع أو مؤتمر للسلام يجب أن تسبقه قرارات سياسية حاسمة من واشنطن وتل أبيب بأنه آن الأوان لإحلال السلام وأن السلام الدائم لن يتحقق عبر إطلاق شعار الدولتين علماً أن الدولة العبرية تم إعلانها من قبل المجتمع الدولي ومن ثم تجسيدها قبل أكثر من ستين عاماً ولم يبق سوى إعلان الدولة الفلسطينية من قبل المجتمع الدولي ضمن الحدود المعترف بها دولياً، أي حدود 1967، ليتسنى للفلسطينيين تجسيدها عبر المفاوضات السياسية مع الجانب الإسرائيلي وبرعاية دولية وضمن إطار زمني محدد.
إن الدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها الأميركيون ليست منحة أو هبة أو هدية مجانية للشعب الفلسطيني بل هي حق مكتسب وشرعي أكدته القرارات الأممية التي صدرت منذ أكثر من ستين عاماً ولم يمنع تجسيدها ولن يمنع تجسيدها إلا الاحتلال الإسرائيلي وممارساته العنصرية والسياسية الأميركية المنحازة لإسرائيل من جهة والرافضة لتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.
على أية حال إن القضية الفلسطينية بكل تعقيداتها تمر بمرحلة هي الأخطر منذ نشوئها وبالتالي فإن الحديث عن اجتماع أو مؤتمر دولي للسلام يجب أن يتم التحضير الكامل له وعلى أسس واضحة حتى لا يستغل من الطرف الآخر لمصلحته ومصلحة سياسته بالمنطقة.
فالإدارة الأميركية التي دعت للسلام تعاني الفشل والإحباط في العراق ولبنان وأفغانستان وتدرس الخيارات الصعبة ضد إيران وتواجه مشاكل استراتيجية متصاعدة مع العدو التقليدي الروسي، وهي مثقلة ومتعبة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. أضف إلى ذلك الخلافات الداخلية التي يثيرها الكونغرس الأميركي الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي المعارض لهذه الإدارة وسياساتها المرعبة لمستقبل الإمبراطورية الأميركية.
أما إسرائيل التي تحكمها قيادة سياسية هي الأضعف على مر تاريخ الدولة العبرية وتحاط بسياج من الفضائح الأخلاقية والمالية والإدارية، إضافة للهزيمة الشنيعة التي منيت بها بسبب عدوانها على لبنان وتزايد الخوف من الخطر الإيراني ، لن تكون قادرة على تقديم تنازلات سياسية بما فيها تلك التي لا ترتقي إلى الحدود الدنيا التي حددتها المصلحة الوطنية الفلسطينية.
أما السلطة الفلسطينية المنهكة داخلياً بسبب الخلافات الجوهرية بين أكبر فصيلين فتح وحماس والتي تفتقر إلى وجود دعم عربي وإقليمي قوي لا تملك البدائل وأوراق الضغط التي تحتاجها قبل الذهاب إلى أي اجتماع دولي. وبالتالي فإن الموقف الفلسطيني ضعيف والضعيف لا يملك وسائل الضغط ومن لا يملك وسائل الضغط لن يكون بمقدوره أن يحقق نتائج ملموسة تغير الواقع السيئ الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.
بالرغم من ذلك فإن واشنطن ستحاول إرضاء الطرف الفلسطيني ولو تكتيكياً لأن غير ذلك سيعني مزيداً من الضعف للسلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية وتقوية للمواقف الفلسطينية المعارضة التي تقودها التيارات الإسلامية في فلسطين وخارج فلسطين.
ولكن المؤكد أن الهدف الاستراتيجي لواشنطن من مؤتمر الخريف لن يكون إيجاد حل للقضية الفلسطينية لا سيما وأن الحكومة الإسرائيلية لن تقدم تنازلات جوهرية للإدارة الأميركية الحالية وهي البطة العرجاء التي لم يبق على حكمها إلا القليل ولن يكون بمقدورها تقديم الكثير لإرضاء الدولة العبرية كما هو الأمر مع الإدارة القادمة.
المهم أن لا يصبح مؤتمر الخريف مقدمة لولادة قضية أخرى في منطقة الشرق الأوسط تحت مسمى حل القضية الفلسطينية.