كما كان متوقعاً أعطى البرلمان التركي الضوء الأخضر لحكومة أردوغان للقيام بعملية عسكرية واسعة عبر الحدود مع شمال العراق ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني؛ إذا رأت ذلك لازماً.

رئيس الحكومة كان تعقيبه مشجعاً، قال: «أتمنى من أعماقي ألا يطبق أبداً هذا القرار. إن التصويت في البرلمان لا يعني أن يتبعه توغل فوري. لكننا سنتخذ إجراء في الوقت المناسب وفي الأحوال المناسبة».

فحوى الكلام أن أنقرة فرملت اندفاعها العسكري الذي هددت به ولو أن «صبرها قد نفد»؛ كما قال أردوغان. عزز كفة «ضبط النفس» تأكيد أنقرة بأنها عازمة على استنفاد كل الاتصالات الدبلوماسية قبل اللجوء إلى التحرك العسكري، وهي لذلك لم تحدد موعداً لأي اجتياح. يفيد ذلك أن الموقف دخل دائرة التبريد. ولو في اللحظة الراهنة. وهو تبريد له ما يبرره ويقتضيه.

فالحكومة العراقية تحركت بسرعة. أنشأت «خلية أزمة» لمتابعة الموضوع. رئيسها، نوري المالكي أعرب عن استعداد بغداد «لإجراء حوار عاجل مع تركيا لحل الإشكالات وإعطاء الضمانات التي تنظم العلاقة بين الدولتين وعدم الانجرار وراء المقاصد الشريرة للكردستاني».

نائب الرئيس العراقي، طارق الهاشمي ذهب إلى أنقرة وأجرى محادثات مع المسؤولين هناك، في هذا الخصوص في محاولة لإقناعهم بصرف النظر عن الاجتياح. كما طلب العراقيون إعطاء فرصة وإمهال لجنة ثلاثية عراقية ـ تركية ـ أميركية، مسؤولة عن الحدود، بعض الوقت لحل الأزمة.

إذاً النوايا الطيبة متوفرة والتحركات العراقية وغيرها، على قدم وساق؛ لاجتناب المواجهة. وإذا كان في ذلك ما يحمل الجانب التركي على التروي والعد إلى العشرة قبل الإقدام على الخيار العسكري؛ فإن في الظروف الموضوعية المحيطة بهذه الأزمة وخلفياتها، ما يقتضي خفض حرارة الوضع على الحدود مع العراق.

فالدخول العسكري إلى ما وراء الحدود يعني انفجار حرب جديدة، أو هو على الأقل يهدد بمثل هذه الحالة. ومن شأن تطور كهذا أن يعزز موقف وضغوط الجهات الداعية إلى تقسيم العراق تحت ستار «الفدرلة». أو التي ينتهى مشروعها في هذا الاتجاه ـ تصويت مجلس الشيوخ الأميركي مؤخراً على قرار، غير ملزم، من هذا النوع ـ وهي نهاية تقف تركيا ضدها وتحذر من الوصول إليها؛ لأنها تنطوي على مخاطر تهدد أمنها الوطني والقومي.

فالعراق لا يحتمل غزوات من وراء الحدود؛ من دون أن تزيد في ضعف تماسكه وتهدد ما تبقى من وحدته. ثم هناك اتفاق أمني تم توقيعه مؤخراً بين بغداد وأنقرة، لا يجيز لهذه الأخيرة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية إلا بشرط موافقة بغداد.

يضاف إلى ذلك أنه من المقرر أن تستضيف تركيا، خلال الشهر المقبل، مؤتمراً لدول جوار العراق ودول مجلس الأمن؛ لبحث الملف العراقي. كل ذلك مع بعضه يستدعي تغليب الحوار ورد أو سحب الخيار العسكري من الواجهة، على الرغم من تصويت مجلس النواب التركي على إجازته.

تركيا، قوة عسكرية ضاربة. والعراق حالته معروفة. فهي قد تقوى على القيام باجتياح وإنزال خسائر بالخصم، لكن القوي عسكرياً لا يضمن اجتناب التداعيات المكلفة، عليه وعلى الآخر، والتجربة الأميركية في العراق خير دليل. وعليه فمن مصلحة تركيا والعراق وأيضاً المنطقة أن تواصل أنقرة سياسة ضبط النفس والحوار لحل هذه الأزمة بأقل الخسائر.