مر العالم العربي بطفرة هائلة في التعليم، وأصبح التسابق في افتتاح المدارس والجامعات ظاهرة ملحوظة في معظم الدول العربية، حتى إن عزوفاً شديداً ظهر لدى كثير من الناس، حتى من أبناء الطبقات الدنيا، عن الحرف والمهن الحيوية والتعليم المهني بحثاً عن مقاعد لهم في الجامعات، حتى أصبحت الشهادة الجامعية مكملاً من مكملات الصورة الشخصية، ومطلبا لا بدّ منه بغضّ النظر عن مؤهلات الشخص وقدراته وإمكاناته، وبغضَ النظر أيضا عما تدل عليه هذه الشهادة.
وما تترجمه من مكتسبات معرفية استطاع صاحبها أن يجنيها ويتعلمها، أو ما تكتفي بالإشارة إليه من مؤهل عال قد لا يتحقق منه في الواقع إلا هذه الورقة الصماء «الشهادة» التي قد تعلق في مكان بارز في صالة الاستقبال أو في واجهة المكتب الوثير، للدلالة على امتلاك صاحبها لها كما يمتلك البيت أو السيارة أو غيرها من المقتنيات التي يمكن شراؤها بالمال.
وما لبثت حمى الاهتمام بتعلم العلوم والتكنولوجيا أن أصبحت شعارات تتصدر الحديث عن فائدة التعليم والتكنولوجيا في نهضة الشعوب العربية، فانشغلت الحكومات والمؤسسات والجامعات بابتعاث طلابها إلى أعرق الجامعات العالمية في أوروبا وأميركا واستراليا، حتى أصبح هناك تصنيف للجامعات العربية والعالمية.
وكان من المتوقع من مسيرة التعليم والابتعاث أن يظهر أثر ذلك في واقع النهضة التكنولوجية فنجد تطبيقات العلوم حية على أرض الواقع، ونلمس تغيراً في طرفي المعادلة بين الإنتاج والاستهلاك، بحيث نرى في الأسواق العربية منتجات عربية تنافس مثيلاتها في الأسواق الأجنبية، ليكون مردودها على أبناء العروبة في كل مكان، وليصبح للطفرة العلمية التي يتغنى بها الجميع في عالمنا العربي وجود حقيقي ملموس.
بيد أن الجاري في واقع الأمر يخالف كل التوقعات التي بنيناها على حمى التعليم وحمى الاحتفال بالتكنولوجيا، وما يبشرنا به العلماء من رخاء عظيم يسود المنطقة نتيجة لتطورنا العلمي والتكنولوجي، فعلماؤنا ينشرون بحوثهم في أرقى الدوريات العلمية، وبعض علمائنا يعملون في أرقى المعاهد والمؤسسات والجامعات ومراكز البحوث العلمية، ولكن النتيجة أننا لا نجد أية نتائج ملموسة على أرض الواقع، بل إن الملاحظ أن ما كان موجوداً من منتجات في العقود الماضية بدأ يتراجع ويختفي من الأسواق نتيجة لزحف العولمة وتغوّل الاستهلاك الذي لا يقف في وجهه محظور.
سألتني من أيام صديقة حسنة الظن بكل شيء سؤالاً قدمت له بما يأتي: إذا كان عالمنا العربي، على سبيل المثال، يستهلك ملايين السيارات كل عام، فلماذا لا تكون لهذا العالم الذي يزيد سكانه على ثلث مليار من الناس سيارة عربية منافسة يفتخر مقتنيها بأنه يقتني سيارة عربية يذهب ثمنها إلى هذا العالم فيسهم في التنمية ويقلل من عدد الفقراء الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم؟ فإذا كانت الخامات موجودة والعقول موجودة والسواعد موجودة، فما الذي يحول دون هذا الهدف؟
لم أستطع أن أجيبها، بل امتد بي تصوّري إلى أبعد من هذا حين سمعت تعليق أحد المفكرين من زمن طويل حين قال: إن بعض البؤر المحلية كانت مشهورة بصناعاتها الحرفية المحلية، ولكن هذه المصنوعات أخذت تتراجع شيئاً فشيئاً، حتى تلاشت أو كادت، وإذا بقي شيء منها، فقد اختفت منها روح الجد والإتقان، وبدت تميل إلى الصورة الاستهلاكية التجارية، بل إن خاطراً بعدها طرأ على ذهني حين بدأت أفكر في تلك الأفكار التي سادت في فترة معينة من تاريخ الوطن العربي.
وهي المفاضلة بين عوامل الإنتاج، من مثل الصناعة والزراعة، واعتبار الزراعة مظهراً من مظاهر التخلف، وهو ما أدى ضمنياً إلى وضع الاهتمام بالزراعة في مرتبة متخلفة، مما جعلها تتراجع في معظم بلدان العالم العربي، حتى أصبح العالم العربي يستورد غذاءه.
ولاسيما الحبوب من بلدان خارجية، مع ما قد يكون للاستيراد من الخارج من ضغوط قد تضر بمصالح الدول العربية. ويبدو أننا لم نفلح في الاستفادة من حمى التعليم والترويج للعلوم والتكنولوجيا، ولم نستطع أن نطور سياساتنا الزراعية باتجاه الاكتفاء بالسلع الاستراتيجية الزراعية.
إن حلم صديقتي بأن تكون لنا سيارة عربية أمر نتمناه ونبتهج بحصوله، لكنني قلت لها: عليك يا صديقتي أن تخفضي سقف توقعاتك العالية، وأن تنظري في السلع الأقل في التقنية والدقة والأدوات، وأن تحددي لي أية سلعة وفرناها في أسواقنا، قبل أن نوفرها في الأسواق العالمية، باستثناء بعض المواد الخام من مثل النفط والفوسفات وبعض المعادن الأخرى.
قلت لها يا صديقتي تأملي حمى الاستهلاك العنيفة التي لم ينج منها أحد، هذه الحمى التي لا تبدو تعبيراً عن قدرة شرائية بقدر ما تعبّر عن قيم اجتماعية تفتك بالفرد، ولاسيما غير القادرين الذي يضطرون لفعل أي شيء من أجل مجاراة العادات الاستهلاكية التي تمسك بخناق الناس، وتجعلهم في الأغلب مرهونين للديون المتراكمة حتى يفوا بالواجبات أو المظاهر الاجتماعية.
فكيف لمجتمع غارق حتى أذنيه في حمى الاستهلاك الجارفة، منساق، بلا قدرة على التحرر، في دوامة التفاخر بالمظاهر والقشور وخداع النفس أن ينشغل بالمهم والأولى في حياته وبناء مستقبله؟
وكيف يمكن لتعليم تتلاعب به الشعارات الدعائية والأهواء الشخصية والمصالح الفردية، ويحاصره قصور الهمم والميل إلى الكسل وتحقيق المكاسب السريعة التي سرعان ما تتلاشى وتتحول إلى فراغ كبير يمتلئ مباشرة بما يسده من جريان وراء المظاهر الخادعة والممارسات غير الصادقة لستر العورات والسكوت عن النقائص وغض الطرف عن الأخطاء والجهل المطبق. كيف يمكن لمثل هذا التعليم أن يمكنّ الناس من صنع إبرة ناهيك عن السيارة التي بها تحلمين؟
إنّ المصانع التي تقولين إنها منتشرة في عالمنا العربي هي مصانع تديرها أنامل غيرنا، وإن أدارتها أناملنا فإن موادها وآليات تشغيلها وأسرارها حكر على قوم آخرين، وقد يكون الفرق الأساسي الذي نتغافل عنه، واعين أم غير واعين، أنّ القوم نهضوا بأنفسهم، وتحملوا عبء البناء الثقيل لمستقبلهم جيلا بعد جيل، أمّا نحن فنعيش في وهم أنّ زمن المعجزات ما زال موجودا، وأننا بقليل من الجهد وكثير من الكلام والتفاخر سنصل إلى ما وصلوا إليه.
جامعة الإمارات
<a href="mailto:Ltfibrahim@yahoo.com >Ltfibrahim@yahoo.com