كيف تتصرف الولايات المتحدة إذا اندلعت حرب بين تركيا وكردستان العراق؟
على مدى عقود زمنية متصلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظلت الولايات المتحدة مرتبطة بتحالف استراتيجي متين مع تركيا، ورغم أن تركيا تبقى حتى الآن عضواً في الحلف الأطلسي الذي تقوده وتسيطر عليه واشنطن إلا أن التحالف الأميركي التركي أخذ ينتابه وهن منذ أن اتخذت أنقرة موقعاً معارضاً للغزو الأميركي للعراق.
والآن يتعرض هذا التحالف لأخطر تهديد قد ينسفه نهائياً مع تجمع نذر حرب يمكن أن تندلع بين الجيش التركي وقوات كردستان العراق، كامتداد لاشتباك مسلح بات حتمياً بين تركيا والأكراد الأتراك ممثلين في «حزب العمال الكردستاني».
حينئذٍ ستجد واشنطن نفسها أمام سؤال في غاية الإحراج: هل تتحرك عسكرياً من أجل حماية كردستان العراق التي صارت منذ بداية الاحتلال الأميركي في العراق وكأنها ولاية تابعة للولايات المتحدة الأميركية. ذلك أن مثل هذا التحرك سيقود أميركا بالطبع والحتمية إلى صدام عسكري مع تركيا.
الولايات المتحدة تتبع استراتيجية ذات عناصر متناقضة تماماً. فبينما تعتبر حزب العمال الكردستاني الحركة المسلحة التي تمثل الأقلية الكردية في تركيا ـ تنظيماً إرهابياً، كما يقتضي التحالف الأميركي مع الدولة التركية فإنها عمدت إلى تشجيع ودعم أكراد العراق لإقامة كيان استقلالي في إقليم كردستان هو أقرب إلى دولة ذات سيادة.
والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف يكون الأكراد في العراق شعباً ذا تطلع شرعي نحو الاستقلال، بينما يعتبر الأكراد في تركيا المطالبون باستقلال مماثل شعباً إرهابياً؟
هذا الوضع ازداد تعقيداً بانحياز حكام كردستان العراق إلى أشقائهم عبر الحدود في تركيا ودعمهم عسكرياً، تحت سمع وبصر الولايات المتحدة. لقد وفرت حكومة كردستان قاعدة لقوات أكراد تركيا تنطلق منها لشن هجمات عبر الحدود على قوات الجيش التركي واللجوء إلى القاعدة عند وقوع هجوم تركي مضاد.
الآن يبدو أن القادة الأتراك ـ مدنيين وعسكريين ـ قرروا حسم الأمر عسكرياً.. مما يعود بنا إلى التساؤل الأصلي: كيف تتصرف الولايات المتحدة في هذه الحالة؟
بمجرد أن تجتاز قوات الجيش التركي الحدود لمطاردة قوات الأكراد الأتراك فإن الوضع قد يتصاعد سريعاً إلى مستوى حرب شاملة تخوض فيها القوات التركية معارك ضد قوات كردستان العراق أيضاً، وفي هذه الحالة إما أن تصدر إدارة بوش أوامر إلى القوات الأميركية الاحتلالية في العراق لتهرع إلى نجدة القوات الكردية العراقية، وإما أن تلتزم حياداً قلقاً.
الخيار الأول سيكون معناه الانهيار النهائي للعلاقة التحالفية بين الولايات المتحدة وتركيا على خلفية صدام دموي بينهما، مما سيؤدي حتماً إلى تداعيات قد تخلق ظرفاً إقليمياً جديداً أبرز ملامحه قيام تحالف تركي ـ إيراني ـ روسي.
أما الخيار الثاني فسوف يعني تدمير دولة كردستان العراق، وبالتالي زوال كيان معادٍ للعرب شرعت الولايات المتحدة في تحويله إلى «إسرائيل» ثانية. في كل الأحوال تتجه العلاقات الأميركية مع تركيا إلى المزيد من التأزّم. ومما يضاعف من هذا التأزم على صعيد آخر اتجاه مجلس النواب الأميركي نحو إجازة قرار بأن الأقلية الأرمنية في تركيا تعرضت لمذبحة إبان الحرب العالمية الأولى.
لقد سحبت تركيا سفيرها لدى واشنطن.. وهي خطوة بمثابة إنذار أولي لما سيأتي.