حينما سمعنا في الفريج بخبر وفاة زوج خادمة الجيران السريلانكية «لاتا» ذهبنا لمواساتها، واجتمعت خادمات الأسر حولها ووقفن معها وقفة «رجال»، وعرضن شتى أنواع المساعدة حسب مقدرتهن، ورحن يتحدثن عن مصيرها وأولادها بعد وفاة الزوج الذي كان يعمل في وظيفة بسيطة لدى جهة عسكرية في بلاده.
حملت «لاتا» حقيبتها الصغيرة ونفس ثقيلة بالهم وغادرت الدولة بما قسم الله لها من مساعدات تبرعت بها الأسر، وغابت لعدة أسابيع ما لبثت إلا أن عادت وقد رتبت أمور أسرتها بعد رحيل الزوج، وقد عهدت إلى والدتها بتربية أبنائها ورعايتهم.
بيت القصيد فيما روته الخادمة بعد عودتها انه علاوة على التشييع العسكري المدعم بصور تدعم أقوالها والاحترام الكبير الذي أظهرته الجهة لموظف بسيط عمل لديها لسنوات، فإنها تكفلت بالأسرة مدى الحياة وبطاقة تضمن لها خصومات وتخفيضات في كل الخدمات ومتطلبات الحياة، هذا في سريلانكا البلد الفقير المتخم بالحروب والفقر والمنازعات والصراعات الداخلية التي لا بداية لها ولا نهاية.
تعالوا أحدثكم عما رواه لي أحد المتقاعدين الذي يتردد على أماكن المتقاعدين من العسكريين والمدنيين الذين خدموا في وظائف عدة لسنوات طويلة، وما وصلوا إليه اليوم من البؤس والفقر والحاجة، فالمعاش التقاعدي لم يطرأ عليه أي تغيير منذ أن تقاعد الواحد منهم، زاد عدد أفراد أسرهم وساد الغلاء كل شيء وتغير الحال إلا الراتب كما هو.
وعليه، من كان محظوظاً وتمكن من تأمين مسكن له ودخل آخر يسند المعاش، أو من الله عليه بأبناء صالحين ساهموا في مساعدته على المعيشة، أصبح أفضل حالاً، أما من خرج من الوظيفة وتقاعد من غير سند ودخل في متاهة القروض على معاش التقاعد فإنه يحيا اليوم البؤس كله، فلا راتب يكفي لأبسط متطلبات الحياة، ولا مسكن يأويه وأبناءه خاصة إن كانوا صغاراً ومن لديه أكثر من أسرة كان الله في عونه.
حدثني أحدهم عن مديره في العمل وكيف كان ذا «شنة ورنة» يوم أن كان في منصبه الرفيع، أنيقاً ومهندماً وصاحب شخصية، اليوم وبعد أن تقاعد يقول أصبح رث الثياب يقله الأصدقاء إلى المجلس فلا سيارة يملكها ولا نقود في جيبه، يجلس منكسراً بين من كانوا يعملون تحت إمرته ولم يعد ذاك الرجل.
أكثر من ذلك فإن الفقر الذي يعيشونه خلف العديد من المشكلات الاجتماعية لهؤلاء، الذين حقاً ينطبق عليهم قول «لكل زمان دولة ورجال» أعان الله المتقاعدين. وغداً نواصل عنهم الحديث.
