الذين يدرسون التاريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج كثيرون، أساتذة جامعات وباحثون ومهتمون بالتغييرات التي تحدث عندنا، يأتون من آخر الدنيا ليطرحوا أسئلتهم على أبناء المنطقة من المثقفين والأدباء والإعلاميين وأساتذة الجامعات، ثم يذهبون لتفريغ ما جمعوه من معلومات بعد أن يحللوها ويربطوها بفرضياتهم ونظرياتهم ومرئياتهم عن هذا التغيير وأسبابه وآلياته وإلى أين سيقود المنطقة في نهاية الأمر!
ليس هناك ما يسيء، بل على العكس فالدراسات الاجتماعية، التاريخية والسياسية للمنطقة في غاية الأهمية والضرورة، خاصة إذا بنيت على معلومات دقيقة وآراء محايدة تتصف بالشفافية والصدق، فنحن هنا في الخليج .
وفي الإمارات بأمس الحاجة لمن يتتبع هذا التغيير الذي عصف بالمجتمع وقاده كما نحن عليه، بحاجة لقراءة متأنية في محاور التغيير الرئيسية: التعليم والمرأة والاقتصاد والسياسة ومنظمات المجتمع المدني وما يرتبط بها من ثقافة حقوق الإنسان تحديداً والحريات المتاحة.
الدكتورة مي صيقلي أستاذة الاجتماع بجامعة ميتشغان بالولايات المتحدة ورئيسة دائرة الدراسات الشرق أوسطية والآسيوية واحدة من المهتمين بتاريخ الخليج والشرق الأوسط الاجتماعي والسياسي.
وهي في زيارة لدبي هذه الأيام للإعداد لبحث حول قطر والإمارات والبحرين في سياق التغير الاجتماعي الحاصل في هذه الدول خلال ال25 سنة الماضية من خلال المحاور الخمسة الرئيسية: التعليم والسياسة والاقتصاد والمرأة ومؤسسات المجتمع المدني. ولقد التقيتها وتحدثنا في إطار بحثها طويلاً حول ما يحدث في المجتمع في ظل السياق التاريخي الذي حددته لدراستها.
في الإمارات نحن بحاجة لهذه النوعية من الدراسات الاجتماعية، لأنها تجعلنا على تماس دقيق مع آراء الناس ونظرتهم للتغيير الحاصل، كما تضعنا في المكان الأقرب لفهم ما يحدث: كيف يحدث، ولماذا ولمصلحة من؟ فنحن بأمس الحاجة لأن نلتقط أنفاسنا ونسأل لنحدد وجهتنا بالضبط إلى أين نحن ماضون؟ وماذا نريد أن نحقق؟ وإلى أين نريد الوصول؟
وهذه الأسئلة يطرحها علينا مثقفون وصحافيون وأساتذة جامعيون يحضرون إلى دبي ضمن وفود رسمية ودعوات لمؤتمرات إعلامية واقتصادية وطبية، فهم بقدر إعجابهم بما يرون وبما يلحظون من تغيير في دبي، إلا أن السؤال الملح يظل ملحاً ومطروحاً: إلى أين أنتم ذاهبون؟
لا يتوجب علينا أن نتعامل بحساسية مع هذه الأسئلة ولا يجوز أن نرفضها أو حتى نتجاهلها، كما لا يفترض أن ننظر إليها من خلال نظرية المؤامرة والحسد، لأنها أسئلة منطقية أولاً، ومشروعة للجميع ثانياً، ولأننا نعلن دائما بأننا منفتحون أمام العالم ومهتمون بشراكة الجميع، وبأننا نضع تجربتنا ليتعرف عليها الكل ويستفيد منها، وعليه فإن السؤال يصبح طبيعياً في هذه الحالة.. والدراسة والبحث كذلك.
بحث الدكتورة مي من العمق والأهمية بحيث تستحق أن يتعاون معها جميع من اختارتهم ليشاركوا معها، والسيدة باحثة بذهنية العالم الموضوعي أولاً، وبعقلية العربي (الدكتورة ميّ أميركية من أصل فلسطيني) المهتم والمنتمي لوطنه العربي الكبير!
