شهدت مدينة قرطبة الاسبانية خلال الأسبوع الماضي أول وأكبر مؤتمر من نوعه يخصص لمواجهة «التمييز ضد المسلمين» في القارة الأوروبية، برعاية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي ترأسها اسبانيا حاليا، وبمشاركة 300 شخصية من الدول الخمس والستين الأعضاء في المنظمة، كما شارك فيه الأمين العام لجامعة الدول العربية.

وقد باتت ظاهرة «الإسلاموفوبيا» تثير قلق العديد من المسؤولين الأوروبيين، وكان وزير الخارجية في الحكومة الاشتراكية الاسبانية ميغل انخيل موراتينوس من أوائل المبادرين بالدعوة إلى عقد هذا المؤتمر» للتوعية بأهمية التعدد الديني والثقافي في اسبانيا والإقرار بحقوق المسلمين في العيش بسلام وسط المسيحيين»، ودعا المجتمع الاسباني إلى «التعبئة لمواجهة هذه الآفة».

كما أن المؤتمر يأتي في إطار مبادرة «تحالف الحضارات» التي يتبناها رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس ثاباتيرو منذ انتخابه عام 2004. وقد مثلت اسبانيا على مدى تاريخها الطويل احد أهم جسور التواصل والتلاقي بين الثقافات والحضارات، وخاصة بين الثقافة العربية الإسلامية والغرب المسيحي بشكل عام، كانت أبرز مراحلها فترة الحكم الإسلامي في الأندلس التي استمرت نحو ثمانية قرون (711-1492)، وظل التواصل قائما بعد ذلك بأشكال وطرق مختلفة، ولم ينقطع حتى اليوم.

ومن هنا جاء اختيار مدينة قرطبة لاحتضان هذا المؤتمر، باعتبارها «تمثل رمزا للتعايش بين الديانات السماوية الثلاث» وتعكس تاريخيا قيم التسامح المنشود، منذ أيام الحكم العربي في الأندلس.

مؤتمر قرطبة وضع اليد على جرح نازف منذ فترة، لكن النزيف بدأ يأخذ أبعادا تنذر بمخاطر كبيرة قد تهدد الاستقرار الاجتماعي والأمني في الدول الأوروبية ذاتها وتتجاوز حدودها الإقليمية لتشكل خطرا حقيقيا على العالم أجمع، بتحريض من بعض الجهات داخل أوروبا نفسها وخارجها من ناحية، وبسبب أخطاء جسيمة يقع فيها بعض المسلمين وخطايا يقترفها آخرون ممن ينتمون إلى الإسلام أو يتكلمون باسمه!

وقد مثلت أحداث 11 سبتمبر 2001 وما بعدها فرصة ثمينة وتربة خصبة لكل هؤلاء الباحثين عن أسباب لتحريك الصراعات وإثارة النزاعات بين الشعوب والأمم، الساعين لتعكير مياه العلاقات بينها والصيد فيها، بما في ذلك بعض المؤسسات والجهات الإعلامية، وهذا ما دفع المؤتمرين للتركيز على دور التربية في مكافحة هذه الظاهرة المتصاعدة، وعلى وسائل الإعلام التي تروج صورة سلبية عن الإسلام، كما يقول كيس برانتس أستاذ التواصل السياسي في جامعة أمستردام وأحد المشاركين في المؤتمر.

ولا شك أن مؤتمرا واحدا، مهما كان حجمه ومدى أهميته، لن يشكل حلا سحريا لعلاج هذه الظاهرة ومواجهة كل أسبابها المركبة والمعقدة، لكنه بالتأكيد يمثل خطوة متقدمة في الاتجاه الصحيح، ويفتح بابا واسعا للأمل في تشخيص العلة الحقيقية والتوصل إلى العلاجات المناسبة لها في الجانب الغربي الأوروبي، خاصة وأن المؤتمر تزامن مع بعض الإشارات الأخرى المشجعة في هذا الاتجاه، مثل ترحيب الفاتيكان والمجلس البابوي للحوار بين الديانات بالرسالة التي وجهها أكثر من 130 مثقفا مسلما من عدة دول إسلامية إلى زعماء العالم المسيحي بمناسبة عيد الفطر.

وفيها مقارنة بين مقاطع من الإنجيل والقرآن تؤكد على «أولوية المحبة والإيمان بالله». وكذلك تأكيد الرئيس الألماني، في مناسبة العيد، على أن المسلمين في ألمانيا جزء لا يتجزأ من الشعب الألماني، وتمنياته لهم ب«مواصلة رباط الأسرة والاستمرار في تقاليدهم بدعوة غير المسلمين إلى الالتقاء مثل ما يفعلون في شهر رمضان».

لكن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل لا بد من مشاركة كل المعنيين بها لتحقق أهدافها المرجوة، فماذا عن الجانب الآخر، العربي الإسلامي؟

عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، كان ابرز الحاضرين عن هذا الجانب، وقد حذر من أن المواجهة بين الإسلام والغرب تحمل بداخلها بذرة صراع قد يمتد لأجل غير مسمى، مضيفا أن «المتطرفين من الجانبين يعدون السبب الرئيسي في تطور الأمور على هذا النحو، وهم أنفسهم من يدعمون الفكر المتطرف أحادي الجانب ويشجعون الفوضوية الجديدة» .

وهذا تلخيص بارع لأهم جذور المشكلة وعوامل تصعيدها، لكن العلاج يحتاج ما هو أكثر من ذلك، إلى عمل منظم وفعل جاد لا يمكن أن تتولاه وتقوم به جهة واحدة.

لذلك يجب أن تتضافر كل الجهود الرسمية والإعلامية الواعية، فضلا عن جهود المؤسسات الدينية والأكاديمية في الدول العربية والإسلامية، ليس من أجل ملاقاة الأوروبيين في منتصف الطريق، فذلك قد يكون طموحا أكثر مما يحتمله الواقع.. لكن، على الأقل، لكي تجد هذه المبادرة الأوروبية من يستقبلها عند الحدود، أو حتى على أبواب المنازل، وذلك اضعف الإيمان.