على مدى العقود الخمسة الأخيرة شهدت أوطاننا على امتداد الجغرافيا العربية سلسلة من الانتكاسات السياسية والثقافية والاجتماعية على غير صعيد ومجال، بعد أن كانت قد حظيت باستقلالات ناقصة لم تحصن هذه الأوطان ضد الحروب والاجتياحات.

فقد كانت في معظمها استقلالات مشروطة بالتبعية التطوعية منها والقسرية، فمنذ تلك الاستقلالات لا يكاد ينقضي عقد دون أن يشهد حرباً على أحد أقطار وطننا العربي، شنت علينا حروب متتالية جعلت ملايين العرب لاجئين ونازحين ومهجرين داخل الوطن وخارجه، ودفعت بملايين آخرين معهم نحو دوائر الفقر والفاقة والعوز، بعد أن أتت على الأخضر واليابس من المنجزات، حروب جعلت أوطاننا تضج بالدمار والخرائب، حيث البنى التحتية المدمرة في كل مكان، وحيث الثروات كلها مستباحة نهباً وتدميراً واستهلاكاً جائراً.

واليوم هناك حروب إضافية تشن علينا عبر مشاريع فتنوية تفكيكية تستهدف تجزئة المجزء وتقسيم المقسم، بدءاً من فلسطين، لتعبر لبنان وتهدد سوريا، وتمضي نحو السودان فالجزائر، وتعود مع مطلع الألفية لتحط رحالها في العراق جاعلة منه النموذج التطبيقي للفصل الأول من مشروع إعادة الفك والتركيب الأميركية الجديدة للمنطقة.

على المستوى الاجتماعي الاقتصادي الثقافي هناك عولمة أحدثت تحولات في مختلف المجالات، وانعكست تفاعلاتها في منطقتنا، فكانت طروحات تحرير التجارة واقتصاد السوق والخصخصة، فكان المديونيات الثقيلة التي أقلت كاهل الشعوب وباتت تنوء بحملها اقتصادات الدول، مما اضطرها للانصياع لشروط المؤسسات الدائنة.

فكانت برامج الهيكلة والتصحيح الاقتصادي والمالي أدت بالحكومات لأن ترفع يدها عن كثير من أدوارها وتتخفف من مسؤولياتها في توفير الخدمات الاجتماعية والإنسانية من تعليم وصحة ورفاه اجتماعي، فتراجعت جميع الخدمات التعليمية والصحية والإسكانية والاجتماعية، ونال الفقراء جراء ذلك عنتاً كثيراً، لقد تعمقت خطوط الفقر وانتشر أفقياً وعمودياً إلى أن وصلت معظم الشرائح الاجتماعية، فتآكلت الطبقة الوسطى، وأصبح الحديث عن شعوب فقيرة لا عن جيوب فقر محصورة في شرائح معينة فحسب!!

هناك انتكاسات سياسية طالت النظم والحركات والأحزاب السياسية حتى طالت أكثر الحركات شعبية وانتشاراً وتجذراً، كما كان هناك انتكاسات أصابت المجتمع المدني العربي، وانتكاسات طالت الحريات العامة، وبتنا اليوم أمام واقع عام تتسيد فيه سلوكيات الاستبداد و«قيم» الرأي الواحد، واقع لم تعد فيه الحقوق والمكتسبات والحريات والضمانات مكاسب أو مكتسبات مستقرة ودائمة، بل أصبح ينظر إليها باعتبارها منحة مؤقتة يستطيع الحاكم سحبها متى شاء دونما ضرورة من لدنه للتبرير.

هناك انتكاسات أصابت الحريات الأكاديمية، وأخرى طالت الحريات العامة وحرية الإعلام والرأي والتعبير، تتجلى في التوسع في التجريم والعقاب، وبات لدينا قوانين تشرعن قمع الإعلام عبر سحب التراخيص وإغلاق الصحف والقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية وإيقاف بثها، بل بلغ القمع حد منع بث برامج معينة، أو منع بعض الشخصيات من الكتابة أو حتى الظهور في برنامج تلفزيوني أو إذاعي (دون أن يكون المنع بناء على جرم قائم وثابت بل على جرم كانت تلك الشخصية تعتزم اقترافه).

كما توسعت السلطات في توقيع عقوبة الغرامة المالية، وتجريم الصحفيين، واحتجازهم دون مسوغ قانوني ودون عرضهم على جهات التحقيق المختصة، أو إحالتهم على المحاكم وتوقيع عقوبات مشددة بحقهم، بعد تجريمهم بجرائم ما أنزل الله بها من سلطان مثل: « إطالة اللسان»، أو «إهانة رئيس الدولة»، أو «المس بالوحدة الوطنية»، وإلى ما هنالك من تجليات الانتكاس في الحريات العامة والإعلامية.

لقد تناست السلطة العربية حقيقة أن مستوى الحرية الإعلامية في أي بلد لا يقاس بالضرورة بعدد المنابر الصحفية أو المحطات التلفزيونية أو تعدد مصادر المعلومة والخبر (التي تباهي بها السلطة العربية وتوثقها في تقاريرها السنوية التي تقدم عادة للجهات الدولية المعنية) ، بقدر ما يجب أن يقاس، بترسانة القوانين وما تشتمل عليه من نصوص سالبة للحريات.

وكذلك تقاس الحرية الإعلامية بطبيعة وتعدد «الخطوط الحمراء» التي تحول دون التعرض لهذه الجهة أو تلك، أو لهذا الملف أو ذاك، . فمن المعروف أن خطاً أحمر واحدا كفيل بالتغطية على عشرات الخطوط الخضراء، فلا ديمقراطية بدون حرية ولا حرية بوجود محاذير واهية.

واليوم تتسابق الدول والحكومات على إنشاء مجالس عليا للإعلام السمعي والبصري، بدعوى تنظيم القطاع، أو بدعوى توفير «آليات قانونية لتطويره»، وغالباً ما يتم تشكيل هذه المجالس من قبل الحكومات وربما بتمثيل انتقائي رمزي للفاعلين الحقيقيين في القطاع، دون الاهتمام بقاعدة (أهل مكة أدرى بشعابها).

وبذلك فإن هذه المجالس ليست بحال ممثلة لأصحاب المصلحة الحقيقية، إنها تأتمر بأمر السلطة التنفيذية في الشكل والقرارات، وعليه فإن قيام مثل هذه المجالس لن يؤدي بالضرورة إلى المزيد من الانفتاح أو التوسع في الحريات الإعلامية بقدر ما يؤدي إلى إحكام قبضة السلطة التنفيذية على هذه الأجهزة، ناهيك عما ترتبه هذه الأشكال التنظيمية من أعباء مالية وإدارية على الجهاز الحكومي مما يزيده ترهلاً وعجزاً.

هناك انتكاسات على صعيد الحقوق المدنية والسياسية، تتجلى في مخالفات عديدة لنصوص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، من ذلك حرمان المتهمين أو الموقوفين من حق الدفاع، ومن حقهم في محاكمة عادلة ومنصفة، ناهيك عن معاملة المتهمين أو الموقوفين بقسوة من قبل الأجهزة الأمنية.

هناك انتكاسة في المجتمع المدني وحركات التغيير الاجتماعي يتجلى في حرمان النشطاء من حقهم في التظاهر والتجمع السلمي، والتدخلات الأمنية والإدارية الفجة في انتخابات النقابات العمالية واتحادات الطلاب ، ناهيك عن التدخل المكشوف بالانتخابات العامة سواء منها الرئاسية أم البلدية أم النيابية وتزوير نتائجها، هذا فضلاً عما يتم من انتهاكات متكررة للدستور والقانون، بما في ذلك من رفع الحصانات أو الاعتداءات والاعتقالات التي لم توفر حتى نواب الأمة المنتخبين، فضلاً عن عدم احترام حصانة أي من القوى المعارضة.

أما على صعيد القيم والثوابت الوطنية فهناك حالة انتكاس مريعة ، إذ أصبحنا اليوم في زمان باتت فيه الخيانة وجهة نظر، وبات الاستقواء بالأجنبي والعدو على الوطن والأمة ممارسة علنية ومتكررة، بل ربما يتباهى بممارستها أصحابها حين لم تعد مخجلة أو معيبة لهم،

فكم من تراجعات عن ثوابت الأمة ومقدساتها؟

خلاصة القول إننا أمام حالة من الرتابة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، لقد طال النكوص كل الأشياء وبات من المسلمات القول بأن « لا شيء عصي على النكوص والانتكاس، على أن لهذا الحال أسبابه أو عوامله منها ما قد يعود إلى التخبط التي تعيشها بعض المجتمعات ومعها الأنظمة السياسية.

حيث هناك تخبط مابين انفتاح وليبرالية، وما بين سلطوية وقمع وشمولية، وغياب الرؤية حيناً وضبابيتها حيناً آخر، أما الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني فإنها ما زالت في مرحلتها الجنينية لم تأخذ طريقها الصحيح في المأسسة والاستقلال والمبادرة، فغابت عن الفعل أو لم تكن في الأصل شريكاً اجتماعياً فعالاً في حركة الإصلاح والتغيير!!

ربما نتساءل لماذا كل شيء لدينا قابل للانتكاسة؟ هل يكمن الأمر في ثقافة الاستبداد المتمكنة منا؟ أم تكمن في التنشئة التي تشوه معاني الحرية والاختلاف والتعدد؟ ؟ قد تكون الإجابة بالإيجاب لكلا السؤالين، ولكن ينبغي أن نتذكر بأن قانون التجدد والاستمرارية الإنساني هو الكفيل بتحويل جميع الانتكاسات إلى قوة متجددة تتجاوز الانتكاسة، وتدفع نحو النهوض والتجدد والانطلاق من جديد!!

كاتب أردني

jobeidat@gmail.com