تأتي الخطوة الأميركية التصعيدية الأخيرة بتصويت مجلس الشيوخ الأميركي على اقتراح العضو الديمقراطي جوزيف بايدن والداعي لتقسيم العراق بـ (75) صوتاً مقابل (23) صوتاً لتفصح بوضوح قاطع عن حقيقة التوجهات الاستراتيجية الأميركية بالنسبة للعراق بعد استفحال وتقيح أزمات الإدارة الأميركية تحت نيران الملف العراقي الملتهب ووصول لهيبه وتأثيراته إلى الشارع الأميركي كما كان حال الملف الأميركي في فيتنام إبان عهد الرئيسين السابقين لندون جونسون وريتشارد نيكسون.

ومن المفارقات العجيبة أن من دعا ووضع مشروع الغزو والاحتلال عام 2003 ورفع شعارات نشر الديمقراطية في العراق والمنطقة انتهى بالترويج والتنظير لشعارات التقسيم الطائفي والاثني.

فالمشروع الأميركي الجديد لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات وحكومة فدرالية محدودة الصلاحيات ليس توجهاً جديداً لدى الإدارة الأميركية، فمنذ فرض الحصار الدولي على العراق عام 1990 بإرادة أميركية بريطانية بالدرجة الأولى، ألزم العراق بأكثر من (60) قراراً دولياً تحت ضغط الولايات المتحدة، وسقط جراء القرارات إياها ملايين الضحايا من العراقيين من الأطفال والمرضى وغيرهم.

كما جرى التدخل الأميركي الخارجي لتأجيج دعوات الانقسام والتفتيت في العراق قبل العام 2003 عندما أقر وشرع الكونغرس الأميركي ما أسماه قانون «تحرير العراق» .

وهو القانون الذي فتح أبواب الخزينة الأميركية للقوى العراقية المحدودة الفعل والتأثير خصوصاً الطائفية منها والتي كانت تقيم في الخارج في لندن وبعض العواصم الأوربية، وعقدت على اثر قرار «تحرير العراق» العديد من المؤتمرات والنشاطات بين لندن ومناطق الشمال العراقي التي كانت خارج سيطرة الحكومة المركزية في بغداد.

كما ينسجم موقف الكونغرس الأخير الداعي لتقسيم العراق مع تنظيرات وأطروحات وزير الخارجية الأميركية الشهير هنري كيسنجر صاحب مقولة «تحويل المنطقة إلى كيانات اثنية وعرقية ودويلات ودوقيات»، فوضع مقدماته الحاكم الأميركي في العراق بول بريمر بعد الاحتلال مباشرة فعمل على تعويم الدولة العراقية وصياغة قوانين كيانات وقوانين اتحاد فدرالي عندما أسس للنظام الطائفي ونظام المحاصصة بين المجموعات الاثنية القومية والطائفية، أملاً تحويل العراق إلى كيانات هزيلة محاطة بدول قوية والمقصود تركيا وإيران تحديداً، انسجاماً وتوافقاً في مجرى الخطط التي وضعت للعراق، منذ ماقبل الاحتلال وبعده، من خطط تقسيمية، تبدأ بتفكيك عرى الأخوة العربية ـ الكردية، والعلاقات الوطنية بين أبناء طوائف العراق المختلفة.

في ظل سيناريوهات متعددة ترسم مستقبل العراق من الوجهة الأميركية. فضلاً عن توسيعها لهوة التباينات بين مكونات الخارطة السياسية العراقية، خصوصاً وأن الحالة العراقية الداخلية مازالت عاجزة عن الإقلاع في ظل قوانين العزل والإقصاء لشرائح واسعة من المجتمع العراقي، وهي عملية تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق السياسي.

إن قرار الكونغرس الأخير، قرار لا شرعي ويتناقض مع شرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي حين يتحدث عن مصير العراق والعراقيين دون إرادتهم ومن قبل قوة محتلة جاءت أصلاً بعيداً عن إرادة مجلس الأمن الدولي. وعلى الرغم من تقليل الخارجية الأميركية من أهمية القرار باعتباره غير ملزم، إلا أن القرار يفصح عن ما هو مضمر من مشاريع أميركية قد تذهب بالعراق ووحدته نحو الهاوية.

وكانت مقدمات التوجهات التقسيمية الأميركية للعراق قد بانت صارخة في ظل تجاهل وغض نظر قوات الاحتلال لعمليات النزوح السكاني للمواطنين خارج العراق والنزوح داخله في مخيمات انتشرت على امتداد الأرض العراقية خوفاً وهلعاً من فيروس البطش الطائفي الذي نشرته قوات الاحتلال.

وتشجيعها ظاهرة «التطهير العرقي» عندما شجعت الحديث المتزايد منذ بدايات الاحتلال عن كردنة (كركوك) وتخليصها من مواطنيها العراقيين من العرب والتركمان والآشوريين عبر طريقة الترانسفير إلى مناطق عراقية خارج حدود إقليم كردستان العراق، الأمر الذي يخلق بالضرورة بيئة جيوبوليتيكية معادية للشعب الكردي من قبل كل شعوب المنطقة، ويؤدي إلى استنزاف أية جهود لبناء استراتيجية وطنية كردية تجمع وتعيد بناء الأخوة التاريخية والوئام التام كما كان على مر الدهور والأيام بين الأكراد والعرب، وباقي الأقليات القومية في العراق.

وهي حقيقة محزنة تجعل من الشعب الكردي ضحية وعرضة للاستغلال من قبل القوى الدولية الكبرى، ودولة الاحتلال الإسرائيلي التي تعمل وتنشط أجهزتها الأمنية على الخط ذاته لتفتيت العراق وإشعال الحروب الداخلية الأهلية فوق أرضه، وتفتح الباب أمام الانشغالات الإقليمية بالموضوع الكردي الذي يمس بالصميم دول الجوار العراقي.

كما يحدث الآن من فعاليات عسكرية إيرانية من خلال القصف المدفعي لبعض المناطق في الشمال الشرقي لكردستان العراق، ومن تحركات عسكرية تركية شمال العراق حيث يتوقع قيام الأتراك باحتلال جزء من الشريط الحدودي عرضه مسافة (8) أميال داخل العراق.

وتبع طرح مسألة مدينة كركوك طرح القانون الانقسامي التفتيتي المتعلق بالنفط والغاز في صيغته الأولية المقترحة الذي ينتقص من سيادة العراق كوطن وشعب، وينتقص من وحدة ترابه، ووحدة اقتصاده وثرواته، وتفتح الطرق الواسعة أمام التفاوت في التطور الاقتصادي وفي توزيع الثروة والعدالة بين العراقيين، فضلاً عن تعميق الانقسام السياسي والجغرافي، وتالياً في تفتيت العراق بأسره.

لقد جاء القرار الأميركي الأخير خطوة تصعيدية تصب الزيت فوق نيران الملف العراقي المشتعل، ولنسف مشروع المصالحة الوطنية العراقية، وهو المشروع الذي مازال رجراجاً وفي مراحله الصعبة، فضلاً عن كونه خطوة تهدد بتفجير فتنة إقليمية واسعة سوف تنعكس على الجيران خصوصاً وأن هناك قضية كردية ملتهبة في إيران وتركيا وتالياً مساسها بدول المنطقة ووحدة تراب العراق الوطني.

فضلاً عن ذلك فان قرار الكونغرس يؤشر في جانب منه على عمق التأثيرات التي بات الملف العراقي يضعها أمام الجمهور الأميركي في التفاعلات الأميركية الداخلية، في الشارع وسط الرأي العام الأميركي وداخل مجلسي الشيوخ والنواب على حد سواء، مع تواصل عملية الشد والاسترخاء والمتعلقة بجدولة الانسحاب من العراق، حيث أمسى العراق عبئاً ثقيلاً، يقض مضاجع الرئيس جورج بوش الابن، وإدارته الصقرية، ويضيف فشلاً كبيراً في سياساتها الدولية على امتداد المعمورة، ويتوعد الحاضر والمستقبل السياسي لمنظري الحرب.

فقد ثبت للرأي العام الأميركي قبل غيره، أن شعب العراق ليس مطواعاً لإرادة المحتل في نهاية المطاف، وأن حلم راود ومنظري الحرب بشأن غنائم ما بعد الاحتلال واقتسام ثروات العراق بدأ بالتلاشي على أرض الواقع.

فقد كان الاعتقاد السائد قبل احتلاله بأن «العراق سيعوض خسائر الحرب في أفغانستان» التي لم يحصد منها الأميركان من غنائم سوى الغبار والغوص في أوحال مجتمع فقير وبلاد مترامية الأطراف، منكوبة ومحدودة الموارد. أما العراق بثرواته الكامنة فقد أسال لعاب ديناصورات البيت الأبيض، باعتباره منبعاً لا ينضب للنفط تندلق أمامه شهية مؤسسات الكارتل النفطي التي يشارك بها الرئيس بوش ذاته.

ومع هذا، فان جانباً آخر يطل بنفسه في العراق مع بداية وعي سياسي يتشكل بصيرورة مستمرة للانطلاق نحو الأفق الوطني العراقي، ووقف إعطاء القدسية لبعض التحالفات وفتح الطريق تحالفات وطنية جديدة وتفكيك التحالفات القائمة على أسس طائفية أو قومية، مستندة أيضاً على خلفية الانسداد العام في الأفق المرئي للسياسات الأميركية في العراق، وعالم الغيب الذي يسيطر على بلد ذاق شعبه إلى الآن مرارات الاحتلال ومرارات التجربة «الديمقراطية» المستوردة التي انتهت باتجاه دعوات تقسيم وتفتيت العراق.

كاتب فلسطيني ـ دمشق